يرى المراقبون أن استراتيجية النظام السوري تجاه الساحة الكردية المنتفضة تشوبها الكثير من التساؤلات، حيث لم يحرك آلياته العسكرية والأمنية لفض التظاهرات وقمعها كما جرى في الانتفاضة الكردية العام 2004 ويجري مع المدن السورية المنتفضة حالياً. ويرجع المراقبون نوايا النظام تلك إلى سعيه لتحييد الأكراد من الحراك الشعبي والحيلولة دون فتح جبهة شعبية كبيرة موازية للحدود التركية ما قد يفجر أزمة نزوح واسع إلى تركيا.
وبموازاة ذلك، لم تخل الساحة الكردية من توترات وسلسلة من الاغتيالات طالت كبار الشخصيات الكردية المعارضة على يد مجموعات «مجهولة الهوية» مهددة أمنها الاجتماعي، ما خلق مناخا من البلبلة والاهتزاز داخل النسيج الكردي. وبعد عملية الاغتيال التي راح ضحيتها السياسي الكردي مشعل التمو رئيس «تيار المستقبل» في مدينة القامشلي، عادت المجموعات «مجهولة الهوية» مؤخراً لتغتال الطبيب شيرزاد حاج رشيد وهو عضو قيادي في المنظمة الطلابية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا «يكيتي» في التاسع من فبراير لتزيد من حالة الارتياب والحيرة داخل صفوف الحركة الكردية. وما زاد من ضبابية المشهد أكثر، محاولة اغتيال عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا «البارتي» نصر الدين برهك الأسبوع الماضي.
تفسيرات متضاربة
ورغم التفسيرات المتضاربة حيال تلك العمليات في الوسط الكردي، إلا أن معظم الاتهامات وجهت ضد الأجهزة الأمنية السورية، حيث ناشد رئيس المؤتمر الوطني الكردي عبد الحكيم بشار عبر بيان الأكراد إلى انتفاضة شاملة ضد النظام السوري، قائلا إنه عندما فشل النظام في منع اتساع رقعة الثورة إلى المناطق الكردية «بدأ بعمليات اغتيال منظمة من خلال شبيحته وعصاباته المسلحة التي طالت العديد من الكوادر والقيادات الحزبية سعياً منه لإرهاب الشعب».
وأردف: «ادعوا الشباب الأكراد إلى التحضير الدقيق والاستعداد المنظم لانتفاضة كردية شاملة تشمل كل الأراضي الكردية في سوريا وأماكن تواجدهم في دمشق وحلب والجالية الكردية السورية في الخارج».
وذهبت بعض التحليلات داخل الحركة الكردية السياسية بأن الانقسام الحاصل بين القوى السياسية ساعدت بعض الأطراف وعلى رأسها نظام بشار الأسد للاستفادة من الوضع المشحون والمتأزم عبر تبني سياسة عمليات اغتيال مجهولة الهوية لتصب النار على الزيت بين الفئات الكردية المتناحرة الأمر الذي قد يشعل حرباً داخلية كردية- كردية.
فخ الحرب
ويقول السكرتير السابق لحزب «يكيتي» الكردي فؤاد عليكو لـ«البيان» إن الاغتيالات التي تطال الشخصيات المعارضة المعروفة تهدف إلى «الشرخ والتقسيم بين أبناء الشعب الكردي وترسيخ المشاكل والاستفادة من التناقضات بين الأكراد».
وأكد أن تلك العمليات «حتماً لا تصب في خدمة القضية الكردية»، متهماً النظام بأنه يقف وراء تلك العمليات رغم عدم وجود دلائل دامغة تثبت ذلك.
وشدد عليكو على أن الشخصيات المستهدفة تكون بالضرورة من النشطاء والسياسيين المعارضين البارزين والذين لديهم تاريخ حافل في النضال ضد النظام ويتمتعون بمواقف جريئة من الحراك الشعبي، معتبراً أن الاغتيالات تزيد من وتيرة غضب الشارع وتشجع في الدفع إلى فخ حرب أهلية. وأضاف أن النظام «يتقرب من الواقع الكردي بدقة فهو يخشى الاصطدام مع الأكراد لأن أي ضغط عليهم مشابه لما يحدث في حمص سيخلق مشكلة تهجير آلاف النازحين إلى الخارج وخاصة نحو الجار التركي، وبناء عليه ستنشأ أزمة دولية كبيرة». ويردف: «لذا النظام يريد خلق صراع كردي داخلي عن طريق زج عملائه وأعوانه لضرب الأكراد بعضهم البعض عبر حيل ودسائس مكيدة».
يشار إلى أن جهات كردية عديدة حملت مسؤولية الاغتيالات إلى اللجان الأمنية التي شكلها حزب الاتحاد الديمقراطي المقرب من حزب العمال الكردستاني، لكن الحزب نفى هذه الاتهامات.
انقسام ثلاثي
والمعلوم أن الساحة الكردية في سوريا انقسمت حيال الانتفاضة السورية إلى ثلاث فئات تتناحر فيما بينها حيال كيفية التعاطي مع الانتفاضة. فقد ذهبت شريحة من الشباب الكرد المستقل تتحرك وفق إرادتها والتزمت بنهج تنسيقيات الثورة السورية، في حين تأسس المجلس الوطني الكردي الذي يضم تحت رايته معظم الأحزاب الكردية ومجموعة من النشطاء والمثقفين المستقلين ويتحرك وفق رؤيته، فيما أخذ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي يتعامل مع الشأن السوري وفق سياسة هيئة التنسيق الوطنية.