تشهد العديد من الولايات الجزائرية حالة استنفار قصوى من أجل الظفر بقارورة غاز البوتان المخصصة للتدفئة والطهي أيضاً، وذلك عقب الاضطرابات الجوية الأخيرة، مما أدى إلى ارتفاع هذه المادة إلى أسعار جنونية، بلغت في الكثير من الولايات 500 دينار، فيما تنعدم بمناطق أخرى ما جعل المواطنين يعودون إلى الحياة البدائية، من خلال استعمال الحطب للتدفئة والطبخ.
ورغم احتلال الجزائر المرتبة الثالثة عالمياً في احتياطي الغاز، بعد روسيا وقطر، إلا أن ذلك لم يشفع لها، في تجاوز أزمة البرد التي أحدثتها الثلوج المتساقطة منذ أكثر من أسبوعين، حيث انتفض المواطنون في مختلف أرجاء البلاد جراء هذه المفارقة التي ما ينفكون ترديدها "كيف نبرد في بلد يسبح فوق الغاز والنفط؟
وتزداد المأساة درامية، عندما يخرج مواطنون إلى الشارع للتعبير عن واقع حال أكثر تناقضاً وغرابة، فليست المفارقة هنا في أن البرد يطحن عظام مواطني بلد الغاز، وإنما لأن أنابيب الغاز التي تمر لتزويد المدن الحضرية الكبرى تمر عبر هذه القرى المعزولة، بل إن الأنابيب التي تنقل الغاز الجزائري إلى أوروبا (إسبانيا وإيطاليا) تمر أيضاً عبر أراضيهم!
فالجزائريون يلهثون للحصول على غاز «البوتان»، وذلك منذ الساعات الأولى من الصباح في مشهد لم تشهده الجزائر منذ سنوات خصوصاً أمام موجة البرد القارص والثلوج الكثيفة التي تساقطت منذ أسبوع كامل في العديد من الولايات والمناطق الجبلية. بحيث ينتظرون في طوابير طويلة للظفر بقارورة أو قارورتين من غاز البوتان أو القيام برحلة بحث معلومة عن هذه المادة إلى أن يجدها.
ولكن بأضعاف سعرها الحقيقي كونه مضطراً لأنها الوسيلة الوحيدة للتدفئة والطعام، هذا في الوقت الذي عاشت فيه عدة مناطق عزلة تامة عن باقي المناطق نتيجة موجة البرد وتراكم الثلوج مما تسبب في غلق الطرق وعدم وصول المواد الأساسية إلى تلك المناطق.
الاستعانة بالحطب للتدفئة
وشهدت العشرات من المدن والقرى خلال الأسبوع الأول من تساقط الثلوج اندلاع احتجاجات واسعة وقطع طرق بعد تفاقم نقص أسطوانات غاز البوتان التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعارها من نصف دولار للأسطوانة الواحدة إلى 40 دولاراً أو أكثر - رغم تحقيق الجزائر الكثير خلال البرنامج الخماسي في العقد الماضي لتوصيل الغاز الطبيعي إلى منازل المواطنين وخاصة في العاصمة وعواصم الولايات الكبيرة.
إلا أن هناك شرائح كبيرة في المدن والقرى النائية أو المقيمين فوق الجبال والمرتفعات لم يصل إليهم الغاز الطبيعي، وهو ما ضاعف احتياجاتهم لغاز «البوتان» خلال سقوط الثلوج. ما أدى إلى استعانتهم بالحطب للتدفئة.
انقطاع السبل بأهلها وعدم قدرتهم حتى للخروج للاحتطاب في الغابات المجاورة بعد انقطاع الطرق بالثلوج. ينما عمد مواطنون آخرون إلى الاستنجاد بالفحم الحجري، الذي كاد ينقرض تماماًًً منذ مدة طويلة في الجزائر، بعد أن انقطعت بهم السبل ولم يعد لهم من ملجئ إلا إليه.
وقد حمل المواطنون المسؤولين مسؤولية عدم توفير هذه المادة الأساسية والحيوية في مثل هذه الظروف رغم تطمينات المسؤولين بإيجاد حلول في توفيرها في أقرب الآجال، وخصوصاً بالنسبة لسكان القرى والمناطق النائية الذين تعذر عليهم الحصول عليها في ظل غلق الطرقات بسبب الثلوج المتراكمة هنا وهناك، وذلك بمساعدة الجيش والأمن أيضاً.
اتهامات للمسؤولين
واتهم منتدى رؤساء الشركات رضا حمياني، في تصريح لـ«البيان» مؤسسة «نفطال» (شركة تابعة للشركة العملاقة سوناطراك) بالعجز على تلبية حاجيات المواطن لغاز البوتان، وفي الوقت نفسه هي تمارس كما يضيف الاحتكار في توزيعه، حيث تفرض حسبه على 14 شركة أخرى خاصة التوزيع شروطاً تعجيزية، الأمر الذي هددت معه هذه الشركات بتوقيف نشاطها في 15 فبراير.
«هذا يكفي» يقول حمياني، «الخواص يريدون الاستقلالية عن شركة نفطال الاحتكارية، وعن سوناطراك، لأن نفطال تنطلق من نظرة ستالينية للسوق»، وقد ثبت عجز هذه الشركة، كما أضاف في أزمة الوقود الأخيرة في الغرب الجزائري، وها هي تتأكد الآن مع موجة البرد والثلج الذي يضرب البلاد.
حملة على «الفيسبوك»
بعض الشباب الجزائري من أزمة غاز البوتان التي تمر بها بعض ولايات الوطن، تزامناً مع الاضطرابات الجوية الأخيرة، وسيلة للترفيه عن أنفسهم، من خلال إبداع وابتكار صور جميلة وطريفة لقارورات الغاز، ونشرها على صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك).
وإن كان السبب الحقيقي من وراء نشر هذه الصور على الفيس بوك ليس مجرد السخرية من الأزمة أو الترفيه عن أنفسهم فقط، بل إن أغلبهم أخذوا على عاتقهم مسؤولية نشر هذه الصور من أجل التعبير عن استيائهم وتذمرهم الشديدين من هذه الأزمة.
بالإضافة إلى إيصال معاناة المواطنين الجزائريين إلى الجهات المسؤولة لإيجاد حل سريع لهذه المشكلة العويصة التي يمكن أن تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، في ظل النقص الفادح في غاز البوتان الذي يمكن أن يتسبب في هلاك العديد من الأشخاص جراء البرد القارص والجوع، خاصة إذا قلنا ان أغلب التعاليق التي اطلعنا عليها انصبت كلها حول فكرة واحدة ألا.
وهي «كيف لدولة بحجم الجزائر، والتي تعد صاحبة ثالث أكبر احتياطي في العالم من الغاز الطبيعي، وتقوم بتصدير غازها إلى دول عدة، أن يعيش أفرادُها أزمة نقص حادة في هذه المادة الحيوية والضرورية في كل بيت من البيوت الجزائرية، التي لم يصل إليها غاز المدينة بعد، وما زالت تعتمد في طبخها وتدفئتها على أنابيب غاز البوتان».
ملف للحصول على قارورة الغاز
ومن بين هذه الصور التي اجتهد في إبداعها هؤلاء الشباب، نجد صورة لقارورة غاز مرفقة بقائمة وثائق، أطلق عليها اسم ملف تسجيل للحصول على قارورة غاز، تحتوي على العديد من الوثائق التي يجب على الشخص المعني استخراجها وإحضارها معه، كشهادة الميلاد ونسخة طبق الأصل من شهادة عدم النوم لمدة 48 ساعة، بالإضافة إلى صك بريدي بقيمة 2000 دينار جزائري، وإن كان هذا الملف من نسج خيال هؤلاء الشبان، إلا أنه يعبر فعلياً عن الصعوبات التي يواجهها المواطنين.
غير أن الأمل الآن، خاصة بالنسبة للسلطات، أن تتوقف هذه الموجة غير المسبوقة من الثلوج منذ ستينات القرن الماضي حتى لا تتطور الأمور أكثر، فناقوس «الثورة» هو الآن يشعل فانوسه البرتقالي، والوضع في غاية الخطورة، فالناس بإمكانهم الصبر على الفقر في بلد الاحتياطات الضخمة من العملة الصعبة، لكن ليس بإمكانه الصبر على البرد في بلد الغاز.