تنظر كثير من تيارات الإسلام السياسي في مصر بكثير من القلق إلى التقارير التي تشير إلى عزم الولايات المتحدة تخفيض أو إلغاء المعونة التي تقدمها للقاهرة منذ توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» للسلام مع إسرائيل وتعتبر بقاءها واستمرارها ضرورة ملحة في المرحلة المقبلة التي تسعى البلاد فيها إلى محاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة. وكان من اللافت تحذير الإخوان المسلمون للولايات المتحدة من محاولة قطعها وتلويحهم بمراجعة اتفاقية «كامب ديفيد» حال إقدام واشنطن على اتخاذ مثل هذا القرار.

ورغم انطلاق حملة أحد رموز السلفيين في مصر، وهو الداعية محمد حسان، لجمع تبرعات من أجل الاستغناء عن المعونة الأميركية، وإعلان العديد من القوى والتيارات السياسية والمؤسسات الدينية والاقتصادية تضامنها وتأييدها لهذه المبادرة، إلا ان «الإخوان، القوة السياسية الأكبر وأصحاب الأغلبية في البرلمان، يتمسكون ببقاء المعونة الأميركية بل ويحذرون الولايات المتحدة من محاولة قطعها».

 

ثمن سياسي

ورغم ان المعونة الاقتصادية الأميركية لمصر لا تتعدى 225 مليون دولار سنوياً من ضمن مبلغ 1.3 مليار دولا الذي يشكل حجم المعونة العسكرية، إلا ان جماعة «الإخوان» تريد بقاء هذا الرافد لأكثر من سبب، أولها كما يذكر رئيس «حزب الحرية والعدالة» محمد مرسي أن «الحديث الآن عن الاستغناء عن المعونة من الممكن أن يعطل المسيرة نحو استكمال المؤسسات الدستورية للدولة»، موضحاً أنها «معونة عسكرية مرتبطة باتفاقية كامب ديفيد ولا مجال للحديث عنها في الوقت الحالي».

ويشير كلام مرسي إلى ان الثمن السياسي الذي يمكن ان تدفعه مصر حال وقف المعونة «سيكون كبيراً للغاية، حيث ان توتر العلاقات مع الولايات المتحدة وما يتعبه من وقف المعونة، يدفع في المقام الأول عدم قدرة أي نظام جديد في القاهرة الاستعانة بمؤسسات التمويل الدولية من أجل إعادة بناء الاقتصاد المصري الذي يحتاج إلى سيولة وقروض خارجية لإعادة تحفيز نموه وخلق فرص عمل للملايين من المصريين الذين ينتظرون بفارغ الصبر حصد ثمار ثورة 25 يناير».

والنقطة الثانية هي التخوفات التي تراود «الإخوان»، حيث ترى ان بقاء المعونة يعني تلقائياً المحافظة على اتفاقية كامب ديفيد، وهي قضية مهمة للجماعة في الوقت الراهن. فهي لا تريد الدخول في صراع مع إسرائيل في المرحلة الحالية لأن هذا يعني تدميراً نهائياً لمشروعها السياسي الذي سعت إلى تحقيقه على مدار أكثر من ثمانين عاماً.

 

تداعيات خطيرة

ولهذا فإن تحذير نائب رئيس حزب «الحرية والعدالة» عصام العريان من أن «مصر قد تراجع اتفاقية السلام التي أبرمتها العام 1979 مع إسرائيل إذا خفضت الولايات المتحدة قيمة المعونة الأميركية»، يجب ان يقرأ في سياق مختلف تماماً، وهو ان تمسك الجماعة بالمعونة يعني بالضرورة رغبتها في الحفاظ على «كامب ديفيد»، من أجل عدم حدوث أية صدامات لها مع العسكر في مصر .

وكذلك مع الشعب، الذي لا يرغب في فتح جبهات خارجية أو التعرض لمزيد من المعوقات التي تمنعه من إعادة بناء بلده في المرحلة الحالية.لذا فإن «الإخوان» هم الآن أكثر من يتمسك ببقاء المعونة الأميركية حتى لا يتحملوا أمام الشعب التداعيات الخطيرة لقطعها سواء سياسياً أو عسكرياً، وهو ما سيجعل الجماعة تضغط على باقي تيارات الإسلام السياسي الممثلة في البرلمان من أجل عدم اتخاذ مواقف راديكالية في هذا السياق وسيكون مبررها ان بقاء المعونة سيمهد لهم تنفيذ باقي أهداف الثورة، وبالتالي يصلوا إلى حالة «التمكين» التي تراودهم منذ عقود مضت.