من جديد يتلبّد الأفق بغيوم أزمة كبيرة مع إيران. هذه المرة كان المدخل من خلال التفجيرات التي استهدفت مصالح إسرائيلية في ثلاث عواصم أجنبية.

توجيه تل أبيب التهمة لطهران، أثار الخشية في واشنطن من احتمال توظيف هذه العمليات لتسويغ عمل عسكري ضدّ المنشآت النووية الإيرانية. أو لتعزيز هذا الخيار ومراكمة مبرراته وترجيح كفته بالنهاية.

لاسيما وأن الأحداث هذه تزامنت مع إعلان إيران عن البدء بتشغيل معدات متقدمة لتخصيب اليورانيوم في مفاعل ناطنز. الحملة الإسرائيلية والإعلامية ركّزت على الاثنين.

وقد تبدّى التخوف في مسارعة الإدارة الأميركية إلى تبريد الأجواء. كما في مسارعة جهات مقرّبة منها ومن إسرائيل في ذات الوقت، إلى الترويج للحلّ الدبلوماسي من باب أن ظروفه قد نضجت، وبالتالي لا بدّ من إعطائه الأولوية. مقاربة تستبطن التحذير من أي مغامرة عسكرية تجاه إيران في الوقت الراهن.

فثمة اعتقاد في واشنطن حالياً بأن دعوة إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، جاءت تحت ضغط معاناتها من العقوبات التي بدأت آثارها المؤذية تنعكس على اقتصادها، بدءاً من قيمة عملتها، الريال، وانتهاء بقدراتها الشرائية وتسويق نفطها وحصولها على القروض وجذب الاستثمارات. وحسب هذه التقديرات، فإن طهران المكتوية بنار العقوبات وتداعياتها، مضطرة للتفاوض بشيء من الجدّية هذه المرة.

«لكن إذا كانت استراتيجيتها الدخول في التفاوض وبنفس الوقت مواصلة مشروعها، فإنها عندئذ سوف تواجه المزيد من الضغوط الهائلة»، كما يقول دانيس روس الذي تولى الملف الإيراني في البيت الأبيض لغاية نوفمبر الماضي، والمطلع على سياسة الإدارة والموثوق من جانبها.

وهو الآن أحد دعاة الترويج لحل سلمي للنووي الإيراني، ويعكس إلى حدّ بعيد موقف إدارة أوباما.

فهذه الأخيرة تصبّ الماء البارد على الموضوع. من جهة، لأن المشروع النووي الإيراني لم يبلغ بعد الخط الأحمر، حسب اعتقاد الدوائر الاستخباراتية والعسكرية الأميركية.

من جهة ثانية، هي ليست حالياً في وارد فتح مواجهة جديدة عشية انتخابات الرئاسة وفي لحظة دقيقة من السعي لصياغة مخرج من الورطة الأفغانية. وكان التبريد واضحاً في كلام الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية، عندما قلّلت من أهمية الإعلان الإيراني عن تشغيل الجيل الجديد من معدات التخصيب قائلة: «لا نرى أي جديد في هذا».

في المقابل جاء دخول حاملة طائرات جديدة إلى الخليج كمؤشر على سياسة الضبط تجاه إيران. خاصة بعد ورود تقارير تحدثت عنها الدوائر الأمنية وتسلّطت عليها أضواء الإعلام بقوة، تزعم أن هناك مخططا إيرانيا للقيام بعمليات تفجير ضد منشآت أميركية ويهودية خاصة في مدينة نيويورك.

الملف الإيراني له من زمان حضور الأزمة المعلقة، في واشنطن. تنقّل في الآونة الأخيرة، بين هبّة باردة وهبّة ساخنة. ما أن تهمد سيرته حتى تعود إلى الغليان. من التلويح بإغلاق المضيق وما استثاره من تحذيرات، إلى شبه الاحتكاكات في مياه الخليج، ثم إعراب طهران عن استعدادها للتفاوض؛

وأخيراً إلى موضوع التفجيرات الثلاثة التي وضعتها مختلف الأوساط الأميركية في خانة الرد على اغتيالات علماء ذرة إيرانيين تجمع الظنون بأن الموساد كان وراءها. تعلو حدّة الخطاب ثم تنخفض. واشنطن تتعامل مع هذا الوضع بسياسة الضبط بين إسرائيل وطهران وحتى إشعار آخر. ورغم التلويح الإسرائيلي وخشية البعض من انفراد تل أبيب بقرار عمل عسكري، لا يزال احتمال الضربة من الأمور المستبعدة في المدى القريب، طالما أن واشنطن تمانع ذلك، لحساباتها الخاصة. على الأقل هذا ما يقوله معظم العارفين والمتابعين عن قرب.