تعد حكمة «شعرة معاوية» بمثابة ضابط علاقات القاهرة وواشنطن، فما إن تبدو نذر شدّ من أحد طرفي العلاقة حتى يسرع الآخر للتهدئة، في تبادل للأدوار تطبيقاً لمقولة «حسب ما تقتضيه الحاجة»، ربما لأن لا غنى لطرف عن الآخر، فالولايات المتحدة لا يمكنها التفريط في علاقتها بالقاهرة، كما أن القاهرة لا تتلاعب في علاقتها الاستراتيجية بواشنطن، على الرغم من كل ما يخرج للإعلام من تصريحات.
مطالب تهدئة
لعل إحدى فصول التهدئة، تتمثل في مطالبة رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير محمد حسين طنطاوي وزراء الحكومة بـ«التوازن» في تصريحاتهم، مؤكدا على أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة، وذلك في أعقاب مباحثات مع رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي، والتي تناولت 19 ملف أميركياً محتجزين على خلفية قضايا منظمات المجتمع المدني.
وفي موازاة هذه التصريحات، تأتي تصريحات مقابلة لوزيرة التعاون الدولي المصرية فائزة أبوالنجا خلال شهادة في قضية التحقيق في تمويل الجمعيات الأهلية، والتي اتهمت فيها الولايات المتحدة بأنها عملت على «احتواء» الثورة و«توجيهها» لخدمة مصالحها ومصالح إسرائيل، مشيرة إلى أن واشنطن «قررت إبان الثورة، العمل بكل ما لديها من إمكانيات وادوات لاحتوائها».
وفي أجواء الشد والجذب من قبل الإدارة الأميركية، هدد نواب في الكونغرس بأن المساعدات العسكرية التي تتلقاها مصر، والتي تبلغ 1.3 مليار دولار سنويا «معرضة للخطر»، وهو ما أغضب المصريين، وحدا ببعض الدعاة إلى إطلاق مبادرة حملت عنوان «المعونة المصرية» للاستغناء تماما عن نظيرتها الأميركية، في إشارة إلى محاولة قطع التبعية للولايات المتحدة. لكن ثمة مصالح مشتركة يراها محللون للعلاقات بين البلدين، فالولايات المتحدة تسعى لاستكشاف المستقبل في مصر، عبر مباحثات ماراثونية ليس فقط على المستوى الرسمي، وإنما على مستوى القوى السياسية الصاعدة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي يحظى حزبها الحرية والعدالة بأغلبية مقاعد البرلمان، وسط تلميحات بتشكيل الحكومة ما يعني أنه اللاعب الرئيس في المشهد السياسي المصري القريب على الأقل.
رفض التبعية
بالتوازي، تحرص القاهرة أيضا على علاقات قوية مع واشنطن، لكن في إطار تكافؤ القوى لا في إطار التبعية، وهو ما يجب على الإدارة الأميركية أن تعيه، لأن الثورة أوجدت حالة من السخط ليس على النظام السابق فحسب وإنما على الولايات المتحدة التي اعتبر البعض أنها كانت الداعم الأكبر له.
ولعل ما يعظم مخاوف القاهرة حيال واشنطن تصريحات الوزيرة أبوالنجا والتي تحدثت في شق منها عن ان «كل الشواهد كانت تدل على رغبة واضحة واصرار على إجهاض أي فرصة لكي تنهض مصر كدولة حديثة ديمقراطية ذات اقتصاد قوي، اذ سيمثل ذلك أكبر تهديد للمصالح الاسرائيلية والأميركية ليس في مصر وحدها، وإنما في المنطقة ككل».
وإلى حين إشعار آخر تظل علاقات مصر والولايات المتحدة رهينة سجال التصريحات وثنائيتي الشد والجذب، لأن المصالح الأميركية والإسرائيلية على خط التماس دائما مع القاهرة.