يبدو مجلس النواب الأردني (الغرفة الأولى في البرلمان) كأنه يجر نفسه إلى أزمة داخلية، بعد ان انقسم اعضاؤه إلى فريقين: أصبح أولهما داعما للإبقاء على حوالي 24 لجنة تحقيق نيابية خاصة، شكلها المجلس في الشهور الثلاثة المنصرمة من عمر دورته العادية الثانية الحالية، وفريق ثانٍ يعتقد ان هذا الكم الكبير من اللجان يؤثر سلبا على منجزات المجلس التشريعية،وأن مصلحة المجلس تتمثل بالعودة عن تشكيل تلك اللجان واحالتها جميعها إلى هيئة مكافحة الفساد، باستثناء القضايا التي تأكد وجود وزراء فيها.
ويستند الفريق الأول إلى مبررات بعضها ظاهر وبعضها الآخر باطن، لا يريدون الحديث فيه إلا همساً، وفقا لما قاله مصدر نيابي رفض الكشف عن هويته، مستدركاً بالقول: «لا نريد الدخول في كيل الاتهامات لبعضنا البعض».
أما المبررات الظاهرة، فيقول النواب المؤازرون لهذا الموقف إن المجلس يستطيع الاستمرار بعمله الحقيقي في الملفات المعروضة عليه، وان حجة وذريعة تأثيرها السلبي على المنجز التشريعي للمجلس تبقى حجة واهية، «لأن نتائج التحقيقات الأولية في بعض الملفات أثبتت تورط نواب حاليين في تلك القضايا»، وهو ما يدفع ببعضهم للضغط من اجل إحالة جميع الملفات المفتوحة إلى هيئة مكافحة الفساد، باستثناء ملفين فقط. أما الفريق الثاني، فيعتقد ان مصلحة المجلس تحتم على النواب التراجع عن إبقاء هذه الملفات مفتوحة أمام اللجان والعمل على احالتها إلى هيئة مكافحة الفساد، لأنها أقدر على اعمال التحقيق بما تملكه من خبرات وامكانيات يفتقد مجلس النواب اليها.
سند قانوني
واستند المجلس في تشكيل لجانه التحقيقية إلى نص المادة 52 من نظامه الداخلي، التي منحت النواب مساحة مفتوحة للتوسع في تشكيل اللجان المؤقتة، التي حددت مهماتها بالتحقيق في ملفات وقضايا يعتقد النواب وجود شبهات فساد فيها. وتنص المادة على ان «للمجلس ان يشكل لجانا مؤقتة يرى ان الحاجة ماسة لتشكيلها، ويحدد المجلس وظائفها ومهامها وعدد اعضائها، وتنتهي مدة أي منها بانتهاء المهمة الموكلة اليها».
وورث المجلس من دورته العادية الاولى عددا من اللجان التحقيقية، الا ان التوسع الواضح في تشكيل هذه اللجان في الدورة الثانية الحالية أدخل المجلس في أزمة مركبة تبددت نتائجها أخيراً، عندما اكتشف المجلس انه لم ينجز في الجانب التشريعي غير سبعة قوانين فقط، بسبب انهماكه في تشكيل اللجان وفي متابعة اجتماعاتها، وصرف الوقت تحت القبة في مناقشة مطالب نيابية متكررة تدعو إلى تشكيل لجان اضافية جديدة، على نحو المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق نيابية في ملف شركة الزجاج الاردنية والمقالع والمحاجر، التي عرضت على المجلس في جلسته المنعقدة في الخامس من فبراير الجاري، كما قرر في الجلسة ذاتها الموافقة على تشكيل لجنة لمتابعة سحب الأرقام الوطنية. وفي الجلسة نفسها لوحظ ان النواب لم ينتبهوا إلى وجود لجنة تتولى التحقيق في عدد من ملفات مؤسسة الضمان الاجتماعي، فقدّم 38 نائبا طلبا لتشكيل لجنة جديدة للتحقيق في الوحدة الاستثمارية للضمان الاجتماعي، الا ان المجلس احال هذا الطلب إلى اللجنة القائمة.
هذه المعطيات توضح إلى أي مدى ذهب المجلس في التوسع بتشكيل اللجان التحقيقية، وهو ما دفع بنواب من بينهم د. ممدوح العبادي، إلى توجيه انتقادات للمجلس بسبب ما اسماه «البطء في إنجاز التشريعات المعروضة عليه»، قائلا إنه لم ينجز سوى 7 قوانين خلال ثلاثة أشهر، وهو عدد ضئيل جدا إذا ما قورن مع حجم ما كان يتم إنجازه خلال دورة مدتها أربعة أشهر، مطالبا بالإسراع في إقرار التشريعات.
ويرأس العبادي لجنة نيابية تتولى التحقيق في قضية «سد الكرامة»، وتم تشكيلها اول مرة في المجلس النيابي الرابع عشر، ثم اعيد تشكيل ذات اللجنة في المجلس الخامس عشر.
أزمات تتوالد
ولا يبدو أن خارطة هذه الأزمة ستتوقف عند هذا الحد، إذ يعتقد الكثير من النواب ان المجلس مقبل على ازمة حقيقية اذا ما بقيت الخلافات على اللجان تتراوح ما بين مطالبين بالابقاء عليها تحت ايدي المجلس، وبين المطالبين باحالتها إلى هيئة مكافحة الفساد.
ويمكن النظر إلى شكل ومضمون الأزمة من خلال المعطيات التالية:
تم تشكيل اللجان برغبة نيابية داخلية للدفاع عن دور المجلس في مكافحة الفساد، من خلال توجيه رسائل مباشرة للرأي العام الأردني عبر العدد الكبير من تلك اللجان التي تم تشكيلها.
لم ينظر المجلس إلى حجم قدرته الحقيقية على القيام بدور المحقق في عشرات القضايا والملفات المطروحة امام اللجان.
تعرض عدد من اللجان التحقيقية إلى ازمات مبكرة تتعلق باستقالة اعضاء منها، او تمسك نواب برغبتهم بالدخول في عضوية بعضها.
التشكيك النيابي الداخلي بالدوافع الكامنة عند البعض للمطالبة بتشكيل لجان تحقيق، مشيرين إلى توفر عوامل شخصية في تشكيل بعض تلك اللجان. لم ينتبه المجلس إلى الاستحقاقات الاخرى التي قد تؤثر سلبا على عمل المجلس التشريعي وهو ما بدا واضحا الان من خلال تواضع المنجز التشريعي للمجلس.
وتقف في مقـــــدمة هذا المشهد الـــــمذكـــــرتان اللتان شهدتا الكثير من الشد والجذب في الآونة الأخيرة، الاولى تم إسقاطها تماما بعد سلسلة انسحابات متتالية منها، والثانية لا تزال في طور التشكل ومن المنتظر عرضها غدا (الاربعاء) على المجلس او تأجيلها إلى الأحد المقبل.
والغريب في نص المذكرة الثانية، التي وصل عدد الموقعين عليها إلى 76 نائباً، أنها تتبنى نفس المطالب التي تبنتها المذكرة الاولى التي وقعها نحو 61 نائباً، مع فارق ضئيل ان المذكرة الاولى لم تجد الارضية التنسيقية الكافية لحملها إلى قبة المجلس، بينما بدت المذكرة الثانية وكأن من يقف خلفها من قوى برلمانية تجد ان الحاجة لها اصبحت اكثر من ضرورية. والغريب ايضا في سلسلة المفارقات بين المذكرتين ان الفارق الزمني بينهما لا يتعدى الاسبوعين، لكن من الواضح ان تطورات ما فرضت نفسها على الداخل النيابي دفعت بالبعض من النواب للعودة إلى موضوعها وتجديدها بطريقة تختلف شكلا وتتوافق موضوعا.
وتتوقع مصادر نيابية ان يدخل المجلس في ازمة قد تصل إلى حد تبادل الاتهامات، والكشف عن تفاصيل اخرى قد تقود إلى ازمة نيابية داخلية، وهو ما اشار اليه بوضوح رئيس لجنة التحقيق النيابية في ملف خصخصة شركة الفوسفات د. احمد الشقران الذي اعلن عن تعرض لجنته لضغوط عديدة ومن جهات مختلفة، إلى جانب عدم التعاون المطلق مع لجنته.
حراك دبلوماسي أوروبي نحو إسلاميي الأردن
كشفت مصادر دبلوماسية غربية رفيعة المستوى في العاصمة الأردنية عمّان عن اتصالات تجريها بعثات دبلوماسية غربية و«بكثرة» هذه الأيام مع حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، الذراع السياسية للإخوان المسلمين.
وقالت المصادر، التي رفضت الإفصاح عن هويتها، أمس إن لقاء سيعقد اليوم (الثلاثاء) بين دبلوماسيين فرنسيين وأعضاء بارزين في الحركة الإسلامية في الأردن، هو الثاني من نوعه.. في حين كشفت عن لقاء عقد الخميس الماضي بين أعضاء من حزب جبهة العمل الإسلامي ودبلوماسيين في بعثة الاتحاد الأوروبي.
وعندما سئلت عن الأسئلة التي يوجهونها إلى الإسلاميين الأردنيين خلال اللقاءات التي تعقد معهم، قالت المصادر: «نريد معرفة برنامج الحركة الإسلامية في الإصلاحات السياسية والاقتصادية، ونظرتهم للمرأة بشكل عام، والمرأة الأردنية بشكل خاص، إضافة الى أننا نريد الغوص معهم حول موضوع الديمقراطية بشكل عام». وكشفت المصادر عن لقاء عقد قبل أيام بين الحركة الإسلامية ودبلوماسيين من السفارة الإيطالية.
وكانت مصادر سياسية أردنية رفيعة المستوى كشفت قبل أيام عن اتصال هاتفي أجرته السفارة الأميركية في عمان أواخر الشهر الماضي بقيادات رفيعة المستوى بجماعة الإخوان المسلمين، وعرضت عليهم الحوار الرسمي، إلا أن الإسلاميين رفضوا أي حوار على الأقل خلال هذه الفترة بانتظار الانتخابات داخل أطر «الجماعة»، التي ستجرى نهاية الشهر الجاري.