بينما لا يزال لبنان ينوء تحت وطأة أزمة حكوميّة تتحكّم فيها مزاجية سياسية لا سقف لها شلّت الحكومة وعطّلت شؤون الناس، هبّت الرياح من شمال لبنان على المشهد الداخلي، منذ ليل الجمعة وأعادت الهاجس الأمني إلى الواجهة مجدداً من خلال كرة النار التي عادت تكبر ما بين باب التبانة وجبل محسن في مدينة طرابلس.
إن المشهد في طرابلس ينحو إلى محاولات تسخين للوضع الأمني بين جبل محسن وباب التبانة، في سيناريو عرقلة جديدة لمهام ال مؤسسة العسكرية التي تعمل على حفظ الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية مدعومة بغطاء شعبي وسياسي واسع، أكد عليه مجدداً رئيسا البلاد والحكومة، وهو غطاء جعل الجيش ينتشر أيضاً في وادي خالد ترجمة لسياسة لبنان الرسمية بالنأي بالنفس عن الأحداث السورية بعيداً عن محاولات جعل الشمال صندوق بريد سياسي وأمني تجاه دمشق.
وفيما لا تزال الأطراف المعنية في باب التبانة وجبل محسن تتنصّل من مسؤولية افتعال التوتر، فإن ذلك يحمل المراقبين على إحاطة هذا الأمر بعلامات استفهام حول الجهة التي تعمل في الخفاء للتخريب الأمني، وحول مغزى جرّ هذه المنطقة إلى التوتر الأمني، وبالتالي إشغال القوى الأمنية وتحديداً الجيش اللبناني في غير موقعه، ومدى ارتباط ما يجري بالحدث السوري وبالتطورات الأمنية والمنحى التصاعدي والدراماتيكي الذي سلكته الأحداث في الآونة الأخيرة. ولم يكن أمام قيادة الجيش إلا تأكيد قرارها الحاسم التصدّي للعابثين بالأمن، إلى أية جهة انتموا، ومتابعة ملاحقة جميع المتورّطين في الأحداث حتى توقيفهم وتسليمهم إلى القضاء المختص.
واستناداً الى قول مصادر عسكرية رفيعة المستوى لـ «البيان»، فإن الجيش لم يقم هذه المرة بدور قوة الفصل كما العادة، بل ردّ على مصادر النيران ونفذ حملة مداهمات واسعة، إذ إن هناك تخوّفاً من أن تكون خلف ما يجري نوايا مبيّتة تحاول افتعال مشكل لنقل الوضع إلى ما هو أدهى، إضافة إلى وجود محاولة لإلهاء الجيش، خاصة أن قرار الجيش هو ضبط الأمن والاستقرار ومنع كل ما يمسّ الأمن الوطني وأمن الناس وسلامتهم مهما كلّف الأمر.
أزمة الحكومة
أما على الصعيد السياسي، فانشغلت الأوساط السياسية بالإنذار الرئاسي الذي أنذر بسلوك الأزمة الحكومية (المتعلّقة بتعليق جلسات مجلس الوزراء منذ نحو 10 أيام) منحى أكثر تصعيداً، بتلويح الرئيس اللبناني ميشال سليمان بإقالة وزير العمل شربل نحاس إذا ما استمرّ على موقفه (بعدم توقيع مرسوم بدلات النقل للعمال)، فإما أن يقال بأغلبية الثلثين من مجلس الوزراء أو يتمّ تغيير حقيبته بموجب قانون.
وفي حين ردَ نحاس بالقول: «لِيُقِلني إنْ استطاع»، معلناً أنه لن يوقع مرسوم الأجور حتى ولو توافر 29 وزيراً لا 19لإقالته، وفي حين لا تبدو إقالته، عبر التصويت في مجلس الوزراء، متاحة لعدم امتلاك الأطراف الراغبة بذلك أكثرية الثلثين، ما يجعل المهمة مناطة بمجلس النواب، فإن السؤال الذي يبقى معلّقاً يتلخصّ بـ: هل يدعو الرئيس نبيه بري لجلسة سحبِ الثقة من الوزير، وهل يغامر أحد بمصير الحكومة في هذه اللحظة اللبنانية والسورية والعربية، خصوصاً إذا عمد النائب ميشال عون وحلفاؤه إلى الانسحاب من الحكومة احتجاجاً؟
وفي ذات الشأن، وضع رئيس المجلس النيابي نبيه بري جميع المكوّنات الحكومية أمام مسؤولياتها، عندما لوّح بالدعوة لعقد جلسة تشريعية قبل نهاية الشهر الجاري. وتساءل: «كيف ستحضر الحكومة في ظل انعدام التلاقي والرد السياسي المفقود بين أفرقائها؟».
وكلام الرئيس بري تردّد صداه على مستوى رئاسة الحكومة، بإعلان رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، الذي كان يختتم زيارته الرسمية الأولى كرئيس حكومة إلى باريس، أن المطلوب لتجاوز الأزمة العابرة حكومياً هو إقناع الجميع بأن مجلس الوزراء هو مكانه للإنتاجية والعمل، وليس للمبادرة السياسية والمزايدة الانتخابية.