«العواينيّة» مفردة محكية بلهجة أهل دمشق وأريافها، وتعني الشخص الذي يعاون السلطة على كشف أسرار وتحركات أهل بلدته ضد السلطة وتقابل في اللغة الفصحى تسمية «المخبرين»، ومع اندلاع الانتفاضة السورية خرجت هذه التسمية من بين حارات دمشق القديمة لتصبح حديث الساعة بين الناس.
ولتلقى تذمراً واستهجاناً على لسان المحتجين ضد حكم بشار الأسد، حيث أرجع النشطاء على الأرض أن ظاهرة انتشار شبكات «العواينيَة» بين الناس في دمشق وحلب حدّ من تزايد زخم التظاهرات، وشل حركة الكثير من المنتفضين، فضلاً عن زج آلاف المتظاهرين بالسجون جراء تعاونهم الحثيث مع دوائر الأجهزة الأمنية. ويرى مراقبون أن «العواينّية» يعملون في الخفية.
وهم مخزون بشري كبير بيد الاستخبارات السورية، ويختلفون عن الشبيحة بعدم المساهمة بعمليات قمع المتظاهرين برفقة أجهزة الأمن بشكل مباشر، لكنهم يتقاطعون مع الشبيحة في أنهم مدنيون لا يزاولون المهام الرسمية في أجهزة الدولة، ويهدفون لإجهاض الحراك الشعبي.
خاصية «العواينية»
ويروي الناشط سليم، وهو من مدينة داريا، أن خاصية العواينيّة أنهم ينتمون إلى نفس البلدة أو الحي الذي تخرج منه التظاهرات، وتختزل مهامهم في كشف أي تحرك شعبي مريب ومحتمل ضد الدولة، ونقل أسماء وتحركات النشطاء والمحتجين سراً إلى الدوائر الأمنية كتمهيد لعمليات الاعتقال وفض المظاهرات بالقوة، مشيراً إلى أن «أهم عائق يواجه المنتفضين يكمن في صعوبة الكشف عن هويات هؤلاء».
ويردف سليم الذي يراقب التظاهرات أنه «من المعلوم أن تحضير المظاهرات يجري في سرية تامة، إلا أن المحتجين يصطدمون فوراً بأجهزة الأمن والجيش، ويتم تطويق المظاهرة بسرعة قصوى جراء تعاون العواينيّة مع النظام».
لكن النشطاء يعتقدون أن وظيفة العواينيّة لا تتوقف عند هذا الحد، بل يتهمونهم بأنهم وراء جل عمليات اعتقال المحتجين، لا سيما أن أجهزة الأمن تفتقر إلى معلومات كافية عن العناوين ومكان إقامة المحتجين وأرقام هواتفهم، وهذا الدور يقع على عاتق المخبرين المرتبطين بهم، كما يؤكد الناشط زياد، وهو من مدينة سقبا بريف دمشق ويشرف على كتابة اليافطات والشعارات المناوئة للنظام.
الحزب
ويكشف أحد أعضاء حزب البعث في مدينة معضمية الشام الواقعة في ريف دمشق كيفية تحركات العواينية وتسريبها المعلومات إلى الجهات الأمنية والحزبية. ويقول إنه كان جالسا بجوار رئيس الحزب بمكتبه في المنطقة المذكورة خلال أحد أيام الجمع، حيث كان رئيس الحزب يتلقى بشكل مباشر أسماء المحتجين واحداً تلو آخر عبر رسائل نصية قصيرة قادمة من العواينيّة المرافقين للتظاهرة.
إضافة إلى دس البعض بين المتظاهرين بحجة أنهم ينتمون إليهم، وبالتالي القيام عبر هذه الخدعة بتصوير الكثير من مشاهد الفيديو ومن ثم تسليمها للأجهزة الأمنية مع قوائم الأسماء، لافتاً أن ما «يربط العواينيّة بالنظام ليست قناعاتها الراسخة بممارسات النظام بل المصالح المادية بالدرجة الأولى، علاوة على منح النظام لهم حصانة ضمنية ليعبثوا بمصير الناس كما يشاؤون ومتى ما يشاؤون.
بدائل
وأمام هذه الممارسات سارع الكثير من المدونين على صفحات الفيسبوك بنشر قوائم أسماء العواينية للتشهير بهم وكشف النقاب عنهم، وبالتالي تحذير المنتفضين من كل تحركاتهم المشبوهة، فضلاً على أن المنتفضين اخترعوا بعض أدوات بديلة لعرقلة مهامهم وتجنب تعقباتهم، فيقول الناشط ضرار، وهو من مدينة جديدة عرطوز في ريف دمشق أن العواينيّة يعتبرون من أكثر الفئات خطورة على الحراك، لأنهم وراء جلب قوات الأمن مباشرة إلى منطقة التظاهرات، الأمر الذي جعل المتظاهرين يستخدمون اللثام.
فضلاً عن أن المنتفضين باتوا أكثر حرصاً لمعرفة هوية كل من يتسلل إلى صفوف المتظاهرين، مؤكداً أنهم صادروا أجهزة الموبايل من يد بعض العناصر المشبوهة بأمرهم، وألقوا القبض على بعض الآخر وتوجيه رسائل شديدة اللهجة لهم بألا يعودوا إلى فعلتهم في القادم من الأيام.