يرى مراقبون أن دعوة اتحاد تنسيقيات الثورة السورية إلى إنشاء لجان شعبية محلية لحماية المناطق السكنية، جاءت نتيجة فقدان النظام السيطرة على الكثير من المناطق وانتشار ظاهرة اقتحام البيوت والمحلات التجارية وخطف الأهالي واعتقالهم بشكل تعسفي على يد العناصر المرتبطة بأجهزة الدولة، فضلاً عن قيام النظام بشن حملات مباغتة بين فينة وأخرى لتخريب الممتلكات الخاصة والعامة.
ورغم ما تعانيه مدينة الزبداني الواقعة في ريف دمشق من قصف متواصل بمدرعات ودبابات النظام لملاحقة عناصر الجيش الحر، إلا أنها تتصدى لهذه الهجمات عبر اللجان الشعبية التي تم تشكيلها أخيراً بنطاق واسع بعد أن فقد النظام قبضته الأمنية والعسكرية داخل المدينة تحت ضربات الجيش الحر في الأسابيع الماضية.
ويقول المتطوع في اللجان الشعبية من مدينة الزبداني الذي فضل أن يطلق على نفسه «قاسم» انه «بعد الظفر الذي حققه الجيش الحر بالتعاون مع بعض المدنيين من أهالي المدينة، تبرع مجموعة من الشباب يتراوح أعدادهم ما بين 45 إلى 50 شخصاً بتشكيل متاريس وحواجز من أكياس رملية على كل الممرات الرئيسة التي تؤدي إلى البلدة بتناوب كل خمسة أشخاص على كل حاجز يومياً»، مشيراً إلى ان تلك اللجان والجيش الحر يتراجعان إلى الوراء قليلًا نتيجة القصف الذي تتعرض له المدينة «لكنهم سرعان ما يعودون إلى التمركز في أماكنهم بعد توقف القصف».
ويضيف المتطوع، الذي آثر عدم الكشف عن اسمه، القول إنه «جراء القصف العنيف للمدينة، لم يعد أمام الأهالي سوى اللجوء إلى حمل السلاح لمعاونة الجيش الحر والدفاع عن أنفسهم أمام الإبادة الجماعية التي يتعرضون لها على يد أجهزة الأمن».
إغاثة وتنظيف
ويوضح الناشط خليل موسى، وهو من مدينة دوما التابعة لريف دمشق التي تتعرض بدورها لحملات أمنية وعسكرية مشددة، أن النظام «قطع عن المدينة كل الإمدادات الإنسانية والخدمية والاقتصادية وتركها تعيش في حالة مأساوية، ما حض الشباب على النهوض والتطوع بشكل عفوي ووضع خططاً موازية للمؤسسات وأجهزة الدولة لتخفيف المعاناة عن الأهالي وتلبية متطلبات السكان عبر تشكيل مجموعات لجلب الخبز والمواد الغذائية والأدوات الطبية الضرورية من المناطق الهادئة فضلاً عن تطوع عدد من الأطباء بتأسيس مستشفيات ميدانية بعد منع النظام من مداواة الجرحى في المستشفيات الحكومية والخاصة».
كما سارعت مجموعة من الأفراد للقيام بحملة تنظيف النفايات وآثار الدمار عندما امتنعت الدولة عن إرسال سيارات القمامة.
تظاهرات ومراقبة
ولكن في الأسابيع الأخيرة، أصبحت مهام اللجان الشعبية تطال كل مرافق الحياة في المدن المنكوبة. ويشير أحد أهالي مدينة حمص في اتصال هاتفي مع «البيان» انه لدى بدء الحراك الشعبي كانت مهمة التنسيقيات تقتصر على تنظيم التظاهرات وبثها إلى الخارج، لكن مع تزايد وتيرة الحراك وعنف السلطات معاً «دخلت مجموعات كبيرة لحماية المتظاهرين من الخلف عبر إغلاق كل المنافذ والحارات بحاويات القمامة التي تؤدي إلى مكان تجمع المظاهرة».
مشيراً إلى انه «رغم الأحداث الدموية التي تشهدها المدينة وصعوبة خروج الناس من البيت، إلا أن اللجان الشعبية تسعى جاهدة لحراسة المناطق والحارات ومراقبة تحركات الجيش ورجال الأمن من جهة والتواصل مع المناطق الأخرى لتقديم الدعم المادي واللوجيستي لعائلات منكوبة من جهة أخرى».
ويقول سمير، الذي يعمل في إحدى اللجان الشعبية المخصصة لجمع المال من أجل مساعدة العائلات المنكوبة، إن أهالي حمص وشريحة تجار المنطقة «تكاتفوا وتعاضدوا مع بعضهم البعض رغم كل محاولات النظام لتفريقهم»، لافتاً إلى أن «معظم الأحياء اتفقت على تشكيل لجنة شعبية موثوقة من خيرة شباب حمص للقيام بجمع المال والحاجيات الأساسية وإيصالها إلى أكثر العائلات احتياجاً وضرراً».
نظام وإرادة
ويذهب الناشط منير حمدي، وهو من مدينة داريا، إلى أن الناس بدأت «تفكر جدياً في تشكيل نظام يستند إلى إرادة الشعب ويشارك فعلياً في تحديد مصيرها، حيث يقول ان سلطة الدولة ومؤسساتها «لم تعد موجودة» بالنسبة اليهم، معتبراً أن مقاطعة المدارس والجامعات وفواتير الماء والكهرباء والخدمة الإلزامية بالجيش من قبل الأهالي ولجوء البعض للتطوع في الجيش الحر للدفاع عن المدينة «ما هو إلا نظام بديل بعيداً عن أجهزة الدولة وسطوتها».