مر عام على تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن منصبه بفعل ثورة شعبية تاريخية أطاحت بنظامه في 18 يوم فقط في 11 فبراير 2011. وخلال هذا العام، راح الشارع المصري يدفع ضريبة التغيير فادحة حتى الآن، لتتحقق بشكل أو بآخر تكهنات مبارك نفسه عندما قال في واحد من خطاباته الشهيرة أثناء الثورة إنه يحفظ الأمن والأمان في الشارع المصري، وإن ترك منصبه «فستحل الفوضى»، ليعيش الشارع المصري نوعا من الفوضى الأمنية والسياسية على مدار عام كامل منذ تنحي مبارك، فيما يقضي الرئيس السابق العام نزيلا بالمستشفى وسجينًا على ذمة المحاكمة في قضايا متعددة، أهمها قتل الثوار.
وعلى الرغم من الحالة الأمنية والسياسية غير المستقرة بالشارع المصري منذ تنحي مبارك وحتى الآن، إلا أن أغلبية الشارع المصري ترى أنه «أمر طبيعي» تشهده أي ثورة من الثورات، والدليل على ذلك ما تبع الثورة الفرنسية من فوضى وانحلال، مؤكدين على أن سقوط مبارك وتحطيم نظامه كان أهم المكاسب، والتي هم على يقين من جني ثمارها خيرًا بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
وتباعاً، راحت جماعة الإخوان المسلمين، المحظورة سابقًا، تحتل موضع الأغلبية، لتنقلب الآية التي ظلت 30 عاما تسود المشهد السياسي المصري ويحل الإخوان محل الحزب الوطني المنحل، وفي الوقت ذاته يندثر «الوطني» ويصبح أنصاره هم القلة، أو الفلول، وغير المرغوب فيهم سياسيًا، بعد اعوام طويلة قام فيها نظام مبارك بالتضييق على التيار الديني، سواء الإخوان أو السلفيين بشكل عام. وانتشرت جملة من حملات التشكيك والتخوين بين التيارات وبعضها وبين المجلس العسكري والحكومات المتعاقبة خلال العام، وهو ما استغله أنصار الرئيس السابق في التأكيد على كون مبارك كان يحمي مصر وبابتعاده تحل الفوضى بالشارع المصري، وتنتشر حالة من عدم الثقة في أي تيار.
محاكمة مبارك
واليوم يحاكم مبارك، الذي تربع على عرش مصر لمدة 30 عامًا متتالية، بعدة تهم، أبرزها قتل المتظاهرين واستغلال منصبه كرئيس للجمهورية، إلا أنه يمكث سجينًا الآن بالمركز الطبي الدولي، تسدد الدولة تكاليف علاجه وسط ضغوط شعبية بعد أحداث بورسعيد بنقله لمستشفى سجن طرة.
سيناريو ومخاوف
وبعد مرور ما يقرب من 11 شهرًا على حبس مبارك وتقديمه للمحاكمة مع عدد من قيادات النظام السابق، وتزامنًا مع الاتهامات التي يلقيها الثوار على المجلس العسكري والمحكمة في أنها تتباطأ أو تتكاسل في الحكم بالقضية، أكد قانونيون أن ضغط الشارع المصري بشأن هذه القضية من الممكن أن يعطي آثارًا عكسية، تؤدي لنتيجة مغايرة تمامًا عما يرغبون فيه، وهو «براءة» الرئيس السابق. ويشيرون إلى أن العجلة في تقديم مبارك للمحاكمة «أفقدت النيابة العامة وكذلك محاميي الشهداء أدلة إدانة الرئيس السابق، وهو ما اتضح جليًا من خلال مرافعة المدعين بالحقوق المدنية، التي جاء معظمها على شكل خطبة سياسية بليغة تفتقد لاتهامات عملية مثبتة في أغلبها، بما يهدد مصير تلك المحاكمة بأن يخرج الحكم غير عادلاً»، مطالبين في الوقت ذاته بـ«التروي والهدوء لكي تأخذ المحكمة الوقت الكافي للنطق بحكم رادع وعادل في قضية القرن».
وأعرب هؤلاء القانونيون عن تخوفهم من تكرار نفس السيناريو الذي شهدته مصر منذ أعوام عندما كان رفعت المحجوب رئيسًا لمجلس الشعب وأثير حول شقيقه عبدالخالق قضايا فساد كبرى. ونظرًا لضغط الشارع والضغط الإعلامي بخصوص هذه القضية، تم تقديمه للمحاكمة على عجل لمحكمة الجنايات، إلا أن القاضي حكم له بالبراءة، لأن المستندات المقدمة بسبب الاستعجال كانت لا تدينه، على الرغم من كونه لا يستحق البراءة. ويتوقع القانونيون أن يتكرر السيناريو نفسه في محاكمة مبارك بسبب العجلة والضغط الشعبي للثوار.
بداية ونهاية
وعلى حد تعبير المحامي الحقوقي الشهير وائل حمدي لـ«البيان»، فإن «البدايات الخاطئة في أي قضية تؤدي حتمًا لنهايات خاطئة وأحكامًا قضائية غير عادلة»، مشيرًا إلى أن محاكمة الرئيس المصري السابق «شهدت أخطاءً فادحة في بداياتها، بما ينذر بنتيجة خطأ، أو حكمًا غير رادع أو عادل»، على حد وصفه.
ويؤكد أن المحاكمة تتسم بـ«الاستعجال». فمنذ البداية، تم حبس الرئيس السابق بناءً على ضغط من الشارع المصري ومن المتظاهرين بمخالفة واضحة لكافة القوانين التي تنص على إجراء التحريات أولاً ثم حبس المتهم في حالة إدانته، مؤكدًا أن وضع جدول زمني للمحاكمة «غير قانوني، لأن من سمات أي محاكمة أن تتسم بالهدوء وعدم العجلة، لكي تصدر الأحكام بناءً عن ترو ودراسة وافية للحجج التي يقدمها المدعون بالحق المدني والحجج التي يقدمها دفاع المتهمين».
تفكير بالانتحار
ووسط هذه الاختلافات حول شكل وماهية المحاكمة، راحت عدد من الصحف المصرية خلال عام الثورة ترصد وضع مبارك داخل المستشفى، إذ أكدوا أن مبارك يحاول الانتحار هربًا من مصيره الغائب، فيما أكد محاميه فريد الديب أن الرئيس السابق يعيش في حالة من الاكتئاب الشديد، في حين تلقى المستشفى جملة من الاتصالات من أنصاره للاطمئنان عليه ودعمه في محنته الحالية، متمنين له الشفاء والبراءة من كل ما لحق به من تهم.
سوزان ثابت
ويزور مبارك بالمستشفى من حين لآخر زوجته سوزان ثابت والتي راحت هي الأخرى تدفع ضريبة سقوط زوجها غالية بعد اتهامها في جملة من قضايا إهدار المال العام، والتي اضطرت على أثرها للتنازل عن كل ممتلكاتها، هربًا من المحاكمة، وهو الأمر الذي أثار الشارع المصري، ومازال يثيره، خاصة أن وجودها خارج أسوار السجن تجعل أصابع الاتهامات تشير إليها على كونها أحد الذين يدعمون الثورة المضادة ويحاولون إشعال الفتنة بالشارع المصري والمتسببين في جملة الأحداث الدموية التي شهدتها مصر خلال الآونة الأخيرة، للتأكيد على شرعية مبارك وجعل الثوار والشارع المصري كله «يندم» على إسقاطه.
وتعيش سوزان ثابت، وفقًا للتقارير العربية والأجنبية، بعد سقوط زوجها الرئيس السابق، ونجليها علاء وجمال، على مبلغ 93000 جنيه مصري، وهو راتب الرئيس السابق. إلا أن الجميع اختلف حول مكان سكنها، إما عند أخيها منير ثابت بمنطقة الشيراتون، أو لدى هايدي مجدي راسخ، كنتها، بفيلا في منطقة المقطم، في حياة مازالت «مُنعمة ومترفة».
جمال وعلاء
أما جمال وعلاء، فيخضعان الآن للمحاكمة بتهم قتل الثوار واستغلال منصب والدهما في تحقيق كسب غير مشروع. وينتظر نجلا الرئيس السابق مصيرًا غامضًا، أغلب الظن أنه قريب جدًا من مصير والدهما، بعد أن حاول نظام مبارك أن يدفع بجمال رئيسا لمصر خلفًا لوالده، وفقًا لمخطط «توريث الحكم لجمال» والذي ذاع وانتشر خلال العقد الاخير من حكم مبارك. أما زوجتا علاء وجمال فتعيشان، وفق تقارير إعلامية، في حالة يئس.
فلول ومحاكمة
أما أنصار مبارك وأعوانه من كبار قادة الحزب الوطني المنحل، فأبرزهم يتجمعون بالسجن، من أبرزهم أمين لجنة السياسات أحمد عز ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي ورئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق زكريا عزمي، ومجموعة كبيرة أخرى من المسؤولين، فيما تثار من آن لآخر ثورة ضد باقي أنصار «الوطني» الذين لم يتم إدانتهم، آخرها اتهامهم في التسبب في أحداث بورسعيد الأخيرة التي راح ضحيتها عدد من الشباب المصري، بما دعا المجلس الاستشاري المصري إلى التأكيد على ضرورة تقديم «الفلول» للمحاكمة العاجلة.
ويتعرض كل من كانت له علاقة من قريب أو من بعيد مع الحزب الوطني أو نظام الرئيس السابق لحملات تشويه كبرى وجملة من الانتقادات تقصيه من الساحة السياسية تمامًا. وكانت الحملة التي تبنتها جماعة الإخوان المسلمين تحت عنوان «امسك فلول» للتصدي لأي مرشح للانتخابات البرلمانية ينتمي للحزب الوطني، أكبر دليل على حملات الإقصاء التي يواجهها أنصار مبارك.
أما المتعاطفون مع النظام السابق والمشهورون بأعضاء حملة «أنا آسف ياريس»، فيواجهون حملة هجوم شرسة من قبل الثوار، بل ويتم السخرية منهم ومن موقفهم السياسي بكثير من الصحف ووسائل الإعلام المختلفة على اعتبار أنهم من أعداء الثورة.
تهميش إرادة
ويقول كاتب تاريخ ثورة يوليو وأستاذ التاريخ محمود متولي في تصريحات لـ«البيان» إن مبارك «همّش إرادة المصريين وأخرج النخبة من معترك الحياة السياسية بشكل عام». ويتابع: «تعلمنا في الجامعات، أن هناك نظامين في الحكم، حكم ملكي، ونظام حكم جمهوري، لكن ثورة 23 يوليو علمتنا نظامًا جديدا للحكم، وهو النظام الجمهوري الملكي، فلا يخرج رئيس الجمهورية ولا يترك مقعده إلا نتيجة الاغتيال مثلما حدث لأنور السادات، والقضاء والقدر كما حدث لجمال عبد الناصر، أو الانقلاب كما حدث لمحمد نجيب، إلا أن مبارك خرج بالثورة عليه».
ويضيف أنه خلال العام الماضي «ظهرت حالات مبررة من عدم الاستقرار السياسي، خاصة أنها مرحلة انتقالية لابد أن يحدث فيها كل ذلك لحداثة عهد المصريين بالثورة وعدم معرفة الجيل الحالي الذي قام بها بشكل وماهية الثورات». ويستطرد: «أما حالات الانفلات الأمني فبعضها كان بفعل الثورة المضادة وفلول النظام السابق أو بسبب تهور شباب الثورة أنفسهم، إلا أن المكسب الأعظم للمصريين هو رحيل مبارك وتبديد حلم التوريث».
عمر سليمان
كان نائب رئيس الجمهورية السابق عمر سليمان، رئيس جهاز الاستخبارات السابق، ذا حظ أوفر. فهو الشخص الذي ترك بصمة كبيرة بقلوب المصريين طيلة أعوام حكم حسني مبارك، خاصة أنه لم يظهر على الساحة، بل كان يظهر تأثير الاستخبارات التي كان يترأسها، على اعتبارها جهاز قوي ومنيع. إلا أن المراقبين يؤكدون أن مبارك «شوّه» سليمان وصورته بالشارع حينما اختاره نائبًا له.
ووقف سليمان ليدلي بشهادته أمام المحكمة في قضية قتل المتظاهرين. ونقلت وسائل الإعلام المصرية تأكيدات أنه قام بتبرئة الرئيس السابق من تلك التهمة. كما نقل الكاتب المصري المخضرم محمد حسنين هيكل أن سليمان ساعد في هروب حسين سالم عقب الثورة.
وعلى الرغم من كون عدد كبير من المراقبين الآن يحصرون المنافسة في الانتخابات الرئاسية بين أشخاص محددين، ليس بينهم بالطبع سليمان، إلا أن كثيرًا من المواطنين يتوقعون بزوغ نجم سليمان في حالة تقدمه للترشح، على الرغم من كل ما أثير حوله من اتهامات وعلى الرغم من غيابه عن الساحة المصرية طيلة الفترة الأخيرة.

