«ايها المواطنون.. في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية وكلف المجلس الاعلى للقوات المسلحة ادارة شؤون البلاد، والله الموفق والمستعان».30 كلمة بالتحديد قالها نائب الرئيس المصري السابق عمر سليمان في الحادي عشر من فبراير 2011 لتنهي عهد مبارك الذي استمر 30 عاما، وتصور المصريون وقتها ان ثورتهم التي حققت إنجازا تاريخيا غير مسبوق في 18 يوما ستنقل بلادهم الى فضاء سياسي واقتصادي أرحب ومكانة حرمت منها بفضل إدارة غير حكيمة.
لكن وعشية الذكرى السنوية الأولى لبيان سليمان عن تنحي مبارك، بدا المشهد في مصر قاتماً وغير واضح المعالم ويحمل بذور قلق مبررة على مصير دولة محورية في الشرق الأوسط، لاسيما وان كافة المعطيات القائمة تؤشر الى ان هناك شيئا خطأ قد حدث، وان الثورة ضلت طريقها إلى دروب مظلمة لم تخطر على بال أكثر المصريين تشاؤما أو رفضا للتغيير الذي حلم به وعمل على إنجازه الكثيرون من شباب وقوى هذا الوطن، بل وضحوا من أجله بالكثير من الوقت والجهد والأرواح أيضا.
تخبط سياسي
وأول من يمكن رصده في العام الأول لابتعاد مبارك عن المشهد، ان الثورة المصرية لم ترسم خريطة سياسية واضحة تستطيع من خلاله السير نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، بل شهدت الفترة الماضية تخبطا سياسيا كبيرا فرز عداء شديدا بين القوى الثورية والمجلس العسكري الذي يدير شؤون الحكم في البلاد، الى درجة لم تقتصر على المواجهات والمصادمات والانتقادات والكراهية المتبادلة، بل وصلت إلى مرحلة العصيان المدني التي يمكن ان توقف حركة الدولة التي تسيرأساسا ببطء شديد، وفي ظل وضع اقتصادي مترنح.
لم يعد يسيطر على المشهد سوى مطلب واحد للقوى الثورية، وهو انسحاب العسكر وتسليمهم السلطة الى المدنيين. وهو مطلب تتصاعد وتيرته كل ساعة تقريبا، فيما المجلس العسكري يرفض التجاوب مع هذه المطالب ويصر على الإلتزام بالجدول الزمني الذي وضعه والقاضي بانتهاء بقائه في السلطة في 30 يونيو المقبل.
«الخريطة واضحة»، هكذا قال رئيس الوزراء المصري كمال الجنزوري أول من أمس، مؤكدا ان السلطة العسكرية «مستمرة في إدارتها للبلاد حتى 30 يونيو وإنها مصرة على ذلك ايماناً منها بواجبها الوطنى تجاه هذا الشعب». هذه التصريحات من شأنها زيادة النار اشتعالا، لاسيما وان دعوات العصيان في ذكرى تنحي مبارك تجد لها الكثير من المؤيدين خصوصا من بين الطبقات الأكثر فقرا والتي لم تر نتائج ملموسة لثورة 25 يناير، سوى مزيد من التأزم السياسي والتدهور الإقتصادي والانفلات الامني، الذي جعل الكثير يخشون الخروج من منازلهم ليلا خشية اختطافهم او التعدي عليهم.
مبادرة خلاقة
هذه الأوضاع المركبة والمعقدة تحتاج الآن الى مبادرة سياسية «خلاقة» تتفق عليها كل الأطراف الموجودة على الساحة من أجل إعادة الثورة الى طريقها الصحيح، ووقف انجراف الدولة نحو حافة الانهيار وتحقيق قدر من الانسجام بين كافة التيارات التي تتصارع الأن على السلطة،وبالتحديد الثلاثي الأبرز «العسكر- الاسلاميون- الليبراليون»، لكي يتم الوصول الى تهدئة تمتص حدة غضب بدأ يتبلور في الشارع، وربما يتوجه قريبا الى كل الأطراف التي تحاول «خطف» الدولة ومصادرتها لصالحها، وهو ما قد يفجر أحداثا أكثر دموية من مذبحة الألتراس في بوسعيد.
