لايختلف اثنان على حجم التغيير الحاصل في تركيبة مجلس الأمة الكويتي (البرلمان)، ولكن التقارير الإخبارية الواردة من الكويت نهار الجمعة حملت ثلاث مغالطات: الأولى، في إعطاء الإسلاميين 34 مقعداً.

وهذا رقم غير دقيق. والثانية، في تقسيم المجلس إلى ثلاثة اطياف: إسلاميون، ليبراليون، وشيعة، وفي هذا التصنيف اختزال للمشهد، وتغييب لكتلة نيابية تتمثّل في ممثلي القبائل وفي المستقلين، والفئة الأخيرة تنقسم إلى فئتيْن: معارضون وموالون. أما الثالثة، فاعتبار أن المعارضة باتت تحوز ثلثي البرلمان دون وجود توصيف يستند إلى قاعدة قانونية أو حزبية لمعنى المعارضة، ذو دلالات مشوَّهة ومشوِّهة.

وفوق هذا، فإن التياريْن اللذين روّجت لهما وسائل الإعلام على أنهما اجتاحا النتائج والبرلمان تجتاحهما المواقف المتباعدة، سواء على مستوى التنسيق الثنائي أم على مستوى الوحدة الداخلية.

وعلى الدوام كانت الحالة الكويتية مختلفة، وربطها بالتغييرات التي جلبتها رياح الربيع العربي مجاف للوقائع نظراً لاختلاف التركيبة والعوامل التي تتحكّم بالعملية السياسية، وبالعملية الانتخابية على وجه الخصوص.. وهي عملية «مزاجية» إلى حد بعيد.. فهناك مفرزات متنافرة، متباعدة جداً، لثلاث عمليات اقتراع في اقل من أربع سنوات.

صحيح أن الإسلاميين السنة: الحركة الدستورية (الإخوان المسلمون) والتكتل السلفي حصدوا عدداً أكبر من المقاعد النيابية، فالحركة الدستورية أوصلت أربعة من مرشحيها إلى المجلس العتيد بعد أن يمثّلهم في البرلمان المنحل (2009) نائب واحد هو جمعان الحربش فإن اثنين منهم وصلا معتمدين على الخلفية القبلية..

وكذلك الحال بالنسبة للرابح الأكبر (الحركة السلفية) التي تمكنت من إيصال أربعة من مرشّحيها، ونحو عشرة من محازبيها إلى البرلمان ، فإن الفضل يعود بالدرجة الأولى إلى الصوت القبلي، فستة من هؤلاء وصلوا على كوتا الدائرتين الرابعة والخامسة اللتين تهيمن عليهما القبائل.

وإثنان منهم حازا تأييد الكتلة التصويتية عبر خوض الانتخابات الفرعية للقبيلة التي ينتمي كل منهما إليها.. أما الإشارة الكبرى على تضعضع قوة هذا التيار في المناطق المفتوحة فهو حصول زعيم التيار د. خالد السلطان على المرتبة التاسعة في الدائرة الثانية، وخسارة قطب التيار د. فهد الخنة ، وهو نائب سابق في عدد من الدورات البرلمانية وغاب عن انتخابات 2009، في ذات الدائرة.

والمنزلق الذي وقعت فيه التقارير الإخبارية حساب النواب المستقلين من ذوي الميول الدينية إلى مقاعد التيارين، مع أن عددا منهم في خلاف مع التيار الأم، وخاض الانتخابات بعيداً عن عباءة التجمع الذي ينتمي إليه فكرياً.. ومنهم د. دعيج الشمري في الدائرة الثانية وخسر، وعادل الدمخي في الدائرة الأولى وتمكّن من إحداث اختراق.

وكان جلياً أن وحدة التجمع السلفي كانت مهلهلة، لاسيما في الدائرة الثانية، والهوة كانت سحيقة بين كوادر التيار الذي كاد يمنى بخسارة ثقيلة في الدائرة لولا تحالفات اللحظة الأخيرة مع الحركة الدستورية (حدس) ما مكّنه من اقتناص المركزين التاسع والعاشر (خالد السلطان وعبداللطيف العميري).. أما قوة التيار فتجلّت في الدائرة الثالثة، التي تعتبر «موزاييك» انتخابي مني فيها التيار الليبرالي، ممثلاً بكتلة العمل الوطني النيابية السابقة، بخسارة قوية.

أما الحركة الدستورية (حدس) فتمكّنت من تجاوز كبوتها في انتخابات 2009 ومن قبل في انتخابات 2008 (أي في ظل نظام الدوائر الخمس)، ورغم اعتمادها على مرشحي القبائل من المنتمين إلى أطرها التنظيمية فإن قوتها التصويتية كانت لافتة في إحداث اختراق في الدائرة الأولى، بحصولها على المقعدين الثالث والرابع (محمد الكندري وأسامة الشاهين) في دائرة محسومة تقليدياً للصوت الشيعي ولصوت قبيلة العوازم التي منيت هذه المرة بخسارة في الدائرة التي كانت تعتبر ملعباً خالصاً لها.

ومن دلائل ضعف القبضة التصويتية لهذا التيار فشله في حشد الأصوات الكافية لانجاح مرشحته في الدائرة الثانية د. عروب الرفاعي، وهي الاسم النسائي الأول على الإطلاق الذي يقحمه التيار في المنافسة الانتخابية، في دائرة يمتلك فيها قوة تصويتية كبيرة مكّنته من إيصال نائبيْن وأحدهما احتل المقعد الأول، كما تم تسخير كل الماكينة التنظيمية والمالية لإيصالها إلى قبة البرلمان.. لكن بلا جدوى.

 

الحكومة الخاسر الأكبر

وبعيداً عن ما يسميه البعض «انتشار هلال التيار الديني» من الكويت إلى المغرب، فإن النتائج تشير إلى أن الحكومة الكويتية باتت في وضع تكتيكي صعب، فالنواب الذين يوصفون بأنهم حكوميون أو «نواب الخدمات» انحسر عددهم بشكل كبير ولايزيد عددهم في أحسن الأحوال عن 10 فيما تراجع عدد النواب الشيعة الذين كانوا في المجمل في عهد الحكومة السابقة (برئاسة الشيخ ناصر المحمّد) .

وخلال الدورة البرلمانية المنحلة في الكفة الحكومية. فضلاً عن ذلك، فإن النتائج تشير إلى أن الفائزين في الدوائر ذات الصبغة القبلية التي كانت طوال العقود الثلاثة الماضية من الموالين للحكومة هم من المعارضين ومن «المناكفين» للحكومة، ومن الخارجين على سلطة قانون القبيلة و«أميرها».

ومع عزوف خمسة من الموالين للحكومة في المجلس المنحل عن الترشح وخسارة تسعة من المقرّبين خسرت الحكومة دعماً كانت في أمس الحاجة إليه، مع أن الأسماء الخاسرة كانت عبئاً ثقيلاً وعودتها كانت ستسبّب حرجاً الحكومة في غنى عنه في المرحلة المقبلة.وهذا التحوّل في ميزان القوى يضع الحكومة أمام استحقاق العمل بعيداً عن أي تحالفات، لأن سعيها لهذا الخيار سيخضعها للابتزاز.

 

ضربة للفرعيات

ومن الرسائل القوية التي أفرزتها النتائج، كسر الناخبين، وبخاصة في الدائرتين الرابعة والخامسة، حائط الانتخابات الفرعية، إذ احتل المراكز الخمسة الأولى مرشحون رفضوا المشاركة في هذه الانتخابات التمهيدية داخل القبيلة، مثل: مسلّم البراك ومحمد هايف المطيري وعبيد الوسمي ومبارك الوعلان وعلي الدقباسي وشعيب المويزري (في الرابعة)، وفلاح الصوّاغ وخالد الطاحوس (في الخامسة).

 

فيتو على نواب «الإيداعات»

ومن الرسائل اللافتة في مفرزات عملية الاقتراع، أنه لم يحقق فوزاً أي من النواب الذين تشوّهت صورتهم بفضيحة الإيداعات المليونية التي تكشّفت في أغسطس 2011 وأطاحت بالحكومة وبمجلس الأمة، فمن بين نحو 16 اسماً (بينهم ثلاث نائبات) ترشّح 11، ولم ينجح سوى اثنين: الأول اعتمد على ثقل الصوت الشيعي في الدائرة الأولى، والثاني على صوت أبناء قبيلته في الدائرة الرابعة.