بعد أزمة المازوت والغاز والكهرباء، تشهد سوريا أزمة اخرى تتمثل في نقص الخبز. ففي المناطق الهادئة، بات الحصول على رغيف الخبز من أولويات المواطن الذي يقضي يومياً ساعات طويلة أمام منافذ الأفران الآليّة ويعود غالباً إلى البيت دون الحصول على مبتغاه. لكن حال المناطق المنكوبة أشد وطأة بسبب نفاد دقيق القمح والوقود واتهام الناشطين لقوات الأمن بقصف الأفران عمداً وفرض حصار خانق عليها.

وحاول معاون وزير الاقتصاد والتجارة لشؤون التجارة الداخلية عبد الخالق العاني طمأنة السوريين بتوفير الكميات المطلوبة من الخبز ودقيق القمح، مؤكدا أن «المخابز العامة والخاصة تعمل بكامل طاقتها وعلى مدار الساعة»، إلا أن الناشط عمر سعد الذي يعيش في مدينة حماة يروي صورة مغايرة للتطمينات الرسمية، ويقول إنه مع بدء الحراك الشعبي تم تخفيض ساعات العمل في المخابز من 10 ساعات إلى ساعتين في اليوم، فضلاً عن تقليل توريد كميات الطحين إليها، ما سبب في تراجع كميات الإنتاج بشكل كبير خاصة بعد اقتحام المدينة مطلع اغسطس الماضي.

 

خطورة التنقل

ويروي شهود عيان أن معاقل الاحتجاجات تعاني من سوء نوعية الخبز الموزع عبر الأفران الحكومية في حال كانت متوفرة، مؤكدين أنه عند وصول المساعدات التي ينقلها الأهالي من مناطق أخرى إلى المناطق المنكوبة يتعرض سائقو السيارات إلى الرصاص الحي من قبل السلطات وفقد الكثيرون حياتهم.

ويقول الناشط أحمد القاسم المقيم في حي الخالدية بحمص في اتصال هاتفي معه إن المدينة برمتها تحولت إلى ساحة حرب ومن يسعى لتأمين الخبز واحتياجاته الضرورية معرّض للقنص وخطر الموت، لافتاً إلى انه مع تقطيع أوصال الأحياء عن بعضها البعض عبر الحواجز الأمنية، بات الخروج من المنزل وتقديم العون للمناطق المنكوبة في غاية الخطورة.

ويرى أصحاب المخابز أن كمية الطحين التي كانت توزع بالسيارات الحكومية لم تكن تكفيهم لمدة ثلاثة أيام، ثم تدهوت الأمور أكثر عندما صدر تعميم على جميع الأفران يقضي بذهاب صاحب المخبز بنفسه إلى المؤسسات التموينية لجلب الطحين لكن استجابة أصحاب المخابز لهذا التعميم كانت ضعيفة نظراً للمخاطر المحتملة التي يمكن أن يتعرضوا لها على الطرق.

ويقول مراقبون إنه مع تصاعد وتيرة العنف والاحتجاجات في ريف دمشق وتأثر المخابز، لجأ معظم السكان إلى أفران محددة على مداخل العاصمة دمشق وضواحيها ونتج عن ذلك ازدحام كبير وطلب يفوق قدرة المخابز على تلبيتها، بالاضافة إلى نشوب مشاجرات بين المواطنين في الطوابير المزدحمة.

 

بدائل تقليدية

وأمام هذه المأساة، عاد السوريون لاستخدام أدوات تقليدية لصناعة خبز «التنور» و«الصاج» للحد من جوع أطفالهم. وتقول أم زياد وهي ربة منزل: «كنا ندرك أن النظام سيعاقب المناطق المنتفضة بقطع كل الحاجيات الضرورية بما فيه الخبز لذا سارعنا بتخزين القمح والطحين منذ الصيف الماضي».

وتضيف: «عند اشتداد الأزمة، جمعنا مجموعة من الأمهات اللواتي لديهن معرفة بصناعة خبز الصاج وتوزيعه على أهالي أدلب وقراها»، لكنها تضيف أنه «مع كل الجهد الذي نبذله إلا أننا عاجزون عن تأمين حاجيات السكان من الخبز».

ويقول الناشط محمد سعيد في ريف دمشق أن «من لديه طحين من الأهالي يقوم بتزويده للخبّاز الذي يملك فرناً بسيطاً وأدوات شبه تقليدية، ومن ثم تقوم اللجان الشعبية باقتسام ما تيسر من الخبز بين الأهالي».

 

الفارس الخلفي

وقد يبدو للوهلة الأولى أن المناطق المنتفضة تقف وحيدة في وجه النظام، لكن الخبير الاقتصادي نبيل مرزوق يرى أن المناطق الهادئة تلعب دور «الفارس الخلفي» للمناطق الساخنة عبر إرسالها المساعدات المعيشية الضرورية. ويقول إن «محافظة درعا التي تعيش تحت وطأة حصار شديد وسياسة التجويع تلقت مساعدات من محافظة السويداء المجاورة عبر طرق وعرة بعيدة عن أنظار الحواجز الأمنية والعسكرية المنتشرة على الطرقات العامة».

ويتهم مرزوق النظام بأنه يسعى جاهداً لإقناع الناس بأن الأزمة الاقتصادية ناجمة عن تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه من الخارج.