أثناء تجول كاميرا إحدى المحطات الفضائية المصرية التي كانت تبث لقطات حية ومباشرة من أمام مقر النادي الأهلي على كورنيش النيل في القاهرة بعد المذبحة التي وقعت لجماهيره في إستاد بورسعيد، صادفت مواطنا مصرياً عادياً لا تبدو عليه علامات الانتماء السياسي ومدت إليه «الميكروفون» ليعلق على ما جرى، فنظر اليها بتشكك وتساءل: «هل ستذيعون كلامي كاملاً؟».. ولم يمهل المذيع فرصة للرد، وقال بشكل عاجل فاجأ القناة: «أقول للمجلس العسكري ارحل.. لم نعد نحتمل وقوع المزيد من الكوارث».

هذه الكلمات البسيطة تجسد الحالة التي أخذت تترسخ في ذهن كثير من المصريين، عن أداء المجلس العسكري في المرحلة الانتقالية، التي تلت سقوط نظام الرئيس السابق حسني مبارك، واتسمت بعدم القدرة على اتخاذ القرارات السريعة المناسبة التي تضع المجتمع على طريق التحول الديمقراطي الحقيقي، وساهمت في حدوث حالة لم يسبق لها مثيل من الانفلات الأمني الذي تضاعفت حوادثه على نحو مخيف خلال الأيام الاخيرة، ودفعت الجميع إلى محاولة الربط بينها وبين المطالب المتزايدة بتسليم العسكر السلطة إلى المدنيين.

تقصير أمني

وما زاد من حنق وغضب المصريين تجاه المجلس العسكري، أن مذبحة بورسعيد التي أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى، جاءت عشية الذكرى الأولى لموقعة الجمل، التي وقعت في الثاني من فبراير 2011،عندما حاول نظام مبارك تفريق المتظاهرين المطالبين برحيله في ميدان التحرير بالقوة المدعومة بالجمال والخيول، ولم يتحرك العسكر وقتها لمنع عملية القتل المنظم للثوار، على الرغم من انفرادهم بالتواجد الأمني على الأرض بعد «اختفاء» جهاز الشرطة، كما أنهم لم يفعلوا شيئا الآن وهم أصحاب القرار التنفيذي في البلاد لقيامهم بمهام رئيس الدولة، على الرغم من وجود الكثير من التحذيرات التي صدرت قبل المباراة، من إمكانية وقوع «مصيبة» جراء حالة الشحن والتوتر بين الجماهير، وهو ما لم تأخذه الأجهزة الأمنية على محمل الجد سواء عن «قصد» أو من دونه. كذلك، فان تصريحات رئيس المجلس العسكري المشير محمد حسين طنطاوي عقب وقوع الأحداث، والتي طالب فيها «الشعب بمواجهة من يفعلون هذه الأعمال»، ساهمت في زيادة حدة الغضب تجاه العسكر، لأنها تجعل الشعب في مواجهة الشعب، وهو ما يمهد إلى «حرب أهلية» تدخل البلاد في مأزق لا تستطيع الخروج منه.

الأحكام العرفية

وإزاء هذا الوضع المتوتر والمتفجر في البلاد، بدا أن المجلس العسكري في موقف صعب للغاية بعد موقعة «الجمل 2»، ولم يعد أمامه سوى خيارين اثنين، الأول التسريع بانتخابات رئيس الجمهورية، لاسيما وأن القوى السياسية التي اجتمعت في مقر حزب الوفد حملته المسؤولية عن المذبحة بصفته «المسؤول عن أمن وسلامة البلاد»، ودعت إلى التعجيل بانتخاب رئيس للبلاد لإنهاء حالة الفرقة بين أبناء الوطن، وهو المطلب الذي يراه الكثير من المصريين الآن «فرض عين لا كفاية» لمنع انزلاق البلاد الى حافة الفوضى المدمرة، لكن هذا الخيار لا يتحمس له العسكر الذين لا يريدون مغادرة المشهد قبل الاطمئنان على وضعهم في الدستور المقبل. أما الخيار الثاني فيتمثل في قيام المجلس العسكري بفرض الأحكام العرفية في البلاد، للتمكن من استعادة الأمن والاستقرار وضبط الفوضى المنتشرة في شوارع وأزقة الوطن، لكن هذا الخيار وإن كان يروق للعسكر، إلا أن كلفته السياسية كبيرة، لأنه لن يقبل به أحد سواء من القوى السياسية أو الثورية، حيث سيمد في عمر جلوس العسكر على كرسي السلطة، ومن ثم فإنه يمهد حال اتخاذه إلى وقوع صدام من نوع جديد، يجعل خريطة الوطن على «مذبح الفوضى».