طغت أجواء التوتر بين واشنطن وموسكو على تحركات اليومين الأخيرين في مجلس الأمن حول الأزمة السورية. ورفض وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الموجود في سيدني في زيارة رسمية، الرد على مكالمة من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أجرتها معه أثناء مشاركتها في جلسة المجلس أمس، كاد يستأثر بالأضواء أكثر من موضوع الجلسة. موقف أعاد التذكير بمناخات التأزم التي كان تشهدها الأمم المتحدة بينهما في زمن الحرب الباردة.
وهي إذ كشفت عن عمق الخلاف بينهما في مقاربة هذا الملف، إلاّ أن الأزمة بدت معها وكأنها باتت مطروحة في البازار الدولي، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من خطر الانكشاف أمام المزيد من التعقيد والتداخل والتجاذب. حتى ولو أن الطريق غير سالكة وإلى حين أمام احتمالات التدويل.
وكان ذلك واضحاً في خطاب كلينتون أمام مجلس الأمن والذي خلا من أي إشارة إلى فرض عقوبات إو إلى التدويل، حيث اكتفت بالتركيز على ضرورة تدويل القرار العربي فقط.
التوتر ليس ابن ساعته. بدأ مع «الفيتو» الروسي والصيني في الخريف الماضي ضدّ قرار بفرض عقوبات على سوريا. ثم جاء مشروع القرار الذي طرحته موسكو على مجلس الأمن والذي رحّبت به إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، لكن مع التحفظ على محتواه «المنقوص والمحتاج إلى تعديل». في الواقع لم تكن واشنطن مرتاحة أصلاً لمثل هذه المبادرة الروسية.
رأت فيها محاولة لقطع الطريق على قرار عقوبات جديد. بعد ذلك، أخذ الموضوع جرعة إضافية من التوتر مع تكرار الحديث الروسي عن الخطوط الحمر بالنسبة للساحة السورية.
رسالة أميركية قوية
وعلى هذه الخلفية، لم تخف واشنطن انزعاجها من تلميحات وتحركات موسكو الأخيرة التي بدت وكأنها تروم القيام بدور الوسيط للعثور على مخرج سياسي للأزمة. مع أن الحراك الروسي لم يكن من العيار الكافي للمساعدة على صياغة مثل هذا الحلّ. العودة إلى مجلس الأمن عبر التحرك الفرنسي جاء على ما بدا لصرف الأنظار عن خيار من هذا النوع.
تفاقم الوضع الأمني ساعد في تحديد موعد جلسة لمجلس الأمن. فجأة وقبل الموعد بأيام قليلة قرّرت الوزيرة كلينتون حضورها وإلقاء كلمة خلالها. أرادت بذلك، حسب الخارجية الأميركية، إرسال «رسالة قوية» إلى دمشق.
ويوم الجلسة، بدا أن الرسالة موجهة أيضاً إلى موسكو. وهذا كان سبب غياب لافروف وتذرعه بالسفر إلى أوستراليا «في زيارة غير ضاغطة» على حدّ تعبير أحد الخبراء في الشأن الروسي.
وعاد الوزير للتأكيد على ذلك من خلال عدم ردّه على مكالمة كلينتون بزعم أنه مشغول، لكن من العارفين من يقول بأن الموقف الروسي هذا أبعد من ردّ فعل.
إنه محاولة «رفع سقف المساومة» مع واشنطن للحصول على تنازلات في ملفات أهم تتراوح بين عدم نصب شبكة الدرع الواقية وسحب الصواريخ المضادة المنصوبة على مقربة من حدودها وبين استعادة بعض مصالحها في جمهوريات آسيا التي كانت جزءا من الامبراطورية السوفييتية سابقاً والتي تكاد تتحكم واشنطن فيها.
اللعبة بين الكبار
سواء كان هذا أو ذاك، فاللعبة صارت بين الكبار، كلاهما يشدّ الحبل صوبه. وعادة في مثل هذا الصراع وكيفما دارت الأمور، تكون الضحية مصالح الصغار. الوضع السوري دخل في طريق وعر، حسب تقديرات غالبية المراقبين، صار في عهدة الخارج، ولو مع وقف التنفيذ وحتى إشعار آخر. العجز عن المعالجة من الداخل، فتحت الأبواب أمام كل السيناريوهات السلبية: من الغرق في الدوامة الأمنية إلى التيه في دهاليز الصفقات الدولية.