بعد مضي أكثر من عام على الثورة واكثر من شهر على تشكيل الحكومة، يجد التونسيون أنفسهم في مآزق ما تنفك تطل برأسها لتخنق آمالهم وتسيطر على المشهد بأكمله.
فهناك إشكالات الاقتصاد المتداعي والسياسة المترنحة، وحكومة انصب جلّ همها في دفع مهر الاستحقاق الانتخابي المرتقب ربيع 2013، ومعارضة لم تجد بداً من انتقاد أسلوب تعاطي حكومة حمادي الجبالي مع ما أسمتها «أسئلة الشارع وطموحات أبناء المناطق الفقيرة» ومخاوف كذلك من تراجع الحريات في ظل هذا الوضع المأزوم، ومراقبون لا يخفون امتعاضهم من ما أسموه «الأساليب غير الأخلاقية في إدارة بعض جوانب الصراع السياسي».
رأس الكبائر
يرى مراقبون أن أكبر المعضلات التي تواجه الدولة التونسية حالياً تتمثل في الاقتصاد، والتي تسهم كما يعتقدون، بطريقة مباشرة وغير مباشرة في استفحال بقية الأزمات. إذ إن الثورة برأيهم قامت بالأساس لدوافع اقتصادية واجتماعية تعجز الحكومة الآن عن حلها ما سرب للمواطن الإحساس بالغبن .
وأن ظروفه المعيشية لم تتغير للأفضل، ما يدفعه للاحتجاج والاعتصام ما يؤدى إلى تعطيل حركة الإنتاج ومن ثم فرار المستثمرين الأجانب وانكفاء المحليين على أنفسهم وبالتالي إنهاك المؤسسات الاقتصادية وإضعاف مستوى أدائها ما يؤدى بدوره إلى خفض نسبة النمو وارتفاع مستوى البطالة.
ويقر الجبالي من جانبه بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد، قائلاً إن الحكومة تطلق «صيحة فزع» أمام حالة الاحتقان الاجتماعي وتردي الوضع الاقتصادي الذي أدى إلى خسائر كبيرة تناهز مليار و700 مليون دولار.
كما قرر مجلس إدارة البنك المركزي الإبقاء على نسبة الفائدة الرئيسية للبنك دون تغيير، مؤكدا على ضرورة تعبئة القطاع المصرفي لموارد طويلة المدى تمكنه من مواصلة دوره في تمويل الاقتصاد، وموصياً بالعمل على وضع خطط تنمية وسياسة مالية واقتصادية واضحة مع اعتماد برنامج تمويل يأخذ بعين الاعتبار قدرة البلاد على تعبئة الموارد المالية الداخلية والخارجية مع المحافظة على التوازنات الإجمالية. ويشدد البنك المركزي على ضرورة تضافر الجهود لضمان عودة الاستقرار الأمني والاجتماعي واسترجاع النشاط الاقتصادي نسقه الطبيعي في أقرب وقت ممكن.
ويواجه الاقتصاد التونسي وفقاً للمجلس تحديات كبرى في العام الجاري في ظل تواصل الضغوط الاجتماعية على الرغم من بدء المشهد السياسي في البلاد سيره في طريق الاستقرار خصوصاً بعد انعكاس ذلك على استقرار مستوى التضخم عند مستوى 3.5 في المئة في العام الماضي.
شبح البطالة
ويقدر عدد العاطلين عن العمل في تونس بــ800 ألف شخص ما يمثل ضعف ما كان عليه قبل الثورة. إذ تصل نسبة البطالة في بعض المناطق الداخلية مثل ولايات قفصة وسيدي بوزيد والقصرين وسلي انة وجندوبة والمهدية إلى ما يقارب 60 في المئة، كما ترتبط مشكلة البطالة في بعض المناطق بخلفية ثقافية متوارثة تجعل الاعتماد على الدولة خياراً مفضلاً ومرحباً به من قبل الأفراد والجماعات، ما يفسر عجز الحكومات المتعاقبة عن دفع المواطنين إلى الاستفادة من الأراضي الزراعية الشاسعة والاعتماد على المشاريع الصغيرة والمتوسطة في ترسيخ مفهوم اقتصاد الأسرة الذي تعتمد عليه اقتصاديات كبرى حول العالم.
ثقافة الحرمان
ورسخت الأعوام السابقة ثقافة الإحساس بالحرمان في مناطق عدة يعتقد أهلها أنهم محرومون مقارنة مع سكان بعض المناطق الساحلية وأن الدولة لا تعرهم اهتماماً توليه سكان مناطق أخرى، الأمر الذي تسبب في نزوح مئات الآلاف إلى المدن الساحلية الكبرى كالعاصمة وسوسة وصفاقس ما دفع إلى بروز ظاهرة الأحياء الشعبية الفقيرة والعشوائيات في هذه المدن، في وقت ترسخت فيه ثقافة الاعتماد على التهريب عبر الحدود المشتركة سواء مع الجزائر أو ليبيا.
ودفع الأمر الجبالي إلى التأكيد على أن كل مناطق تزخر بالثروات والامكانيات الطبيعية والبشرية، مشيراً إلى اعتزام حكومته القيام بحملات توعية حقيقية للاستفادة من الأراضي الصالحة للزراعة والسدود المائية والغابات والمناجم وغيرها.
استمرار الاعتصامات
وترى حركة النهضة أن سعياً محموماً يبذل لإفشال تجربتها في الحكم وفقاً لتأكيدات رئيس الحركة راشد الغنوشي الذي وافق الرئيس منصف المروزقي في توجيه أصابع الاتهام إلى الأحزاب اليسارية، في إشارة مبطنة إلى حزب العمال الشيوعي التونسي وحركة «الوطنيون الديمقراطيون»، في وقت أكد الجبالي وجود «دلائل على تورط عناصر من النظام السابق في العمل على إفشال حكومته»، مشيراً إلى أن البلاد تعاني من محاولة انتحار جماعي، في إشارة إلى الاحتجاجات والاعتصامات التي أوقفت حركة الإنتاج.
وتعاني تونس من استمرار الاعتصامات والاحتجاجات والإضرابات العمالية وقطع الطرق التي عمت في الأيام الماضية ولايات سليانة وجندوبة في الشمال الغربي إلى جانب ولاية قفصة التي هددت بعض مناطقها بالعصيان المدني.
وحمّل الأمين العام للاتحاد العام للشغل حسين العباسي الأحزاب السياسية مسؤولية الاضطرابات والإعتصامات في عدد من مناطق البلاد، مشيراً إلى أنها رفعت عالياً من سقف وعودها للناخبين إبّان حملاتها الانتخابية لتجد نفسها عاجزة عن تلبية وعودها، كما رفض العباسي اتهامات موجهة إلى الاتحاد بالوقوف وراء الاحتجاجات والاعتصامات التي تشهدها البلاد، معلناً تبنيه المطالب المشروعة للشباب العاطل عن العمل وحقه في العمل وحق الفئات المحرومة في التنمية العادلة.
كما نبه العباسي إلى خطورة تحويل الاحتجاجات إلى «تحركات تخريبية» من شأنها تعطيل المرافق العامة، ما ينعكس سلباً على الدورة الاقتصادية والدفع إلى نتائج غير محمودة، مطالباً الحكومة المؤقّتة تقديم حلول عاجلة لبعض الجهات المهمّشة وفتح حوار وطني شامل مع الأطراف الاجتماعية ومكوّنات المجتمع المدني حول مسألتي التشغيل والتنمية.
الدولة بخطر
وتشكو الدولة التونسية من تراجع هيبتها بعد تراخي السلطة، إذ أصبحت الاجهزة الرئيسة مهددة من قبل أطراف عدة تسعى إلى إسقاط الدولة بعد النظام لإحكام سيطرتها.
ويرى رئيس الحكومة الانتقالية السابق الباجي قايد السبسي أن «هيبة الدولة مازالت مهددة، لقد حاولت مقاومة كل التهديدات التي تعرضت لها أثناء ممارستي أمانة الحكم، وانقذت ما يمكن إنقاذه، لكن بعض الضرر وقع وليس بوسع أي شخص نكران ذلك».
مفاهيم الثورة
ويرى مراقبون أن الخطر الحقيقي على الدولة يكمن في تداخل مفاهيمها مع مفاهيم الثورة، في ظل حالة المراهقة الفكرية والايديولوجية المسيطرة على المشهد العام، والتي تخّول لمعارضي الحكومة الاعتداء على مقومات الدولة مثلما حدث من خلال نشر شريط فيديو إباحي لوزير الداخلية والاعتداء على منصة الرؤساء الثلاثة الجمهورية و الحكومة والمجلس الوطني التأسيسي بمدينة القصرين أثناء احتفال شعبي بذكرى الثورة،.
والإعلان عن إمارات سلفية في بعض المناطق ومنها مدينة سجنان، وقيام بعض الأطراف المحتجّة بقطع الطرقات وإخراج المسؤولين المحليين والجهويين من مكاتبهم والاعتداء على بعضهم بالضرب، والهجوم على مصالح ومؤسسات حكومية، وتشويه صورة الأمن، ومحاولة المساس بسمعة الجيش.
السلاح المهرب
كما يمثل السلاح المهرب أحد أهم المشاكل التي تؤرق الحكومة الحالية، ما دعا السلطات الأمنية والعسكرية العمل في صمت على حصر كميات الأسلحة المهربة وضبطها لتلافي عدم استعمالها في حالات الانفلات الأمني، خصوصاً بعد تهريب كميات من الأسلحة قادمة من ليبيا وأوروبا عبر البوابات البحرية إلى جانب أسلحة أخرى صنّعت محلياً، إلى جانب تخوف السلطات عقب حصولها على معلومات تؤكد استعداد تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» القيام بعمليات نوعية، خاصة أن الأسلحة المبلّغ عنها لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من الكميات الموجودة فعلاً والمخبأة في مناطق عدة من البلاد.
سلفية جهادية
ويزداد منسوب الخوف من السلاح مع اتساع حضور السلفية الجهادية وتواتر أخبار عن تلقيها تدريبات عسكرية وعملها على استقطاب أنصار جدد لها من خلال المحاضرات الدينية داخل المساجد التي تحول بعضها إلى ساحات للدعوة للجهاد، إلى جانب الأخبار الرائجة حول إلقاء الجيش القبض على عدد من مهربي السلاح من ليبيا والذين ثبتت علاقتهم مع جماعات ليبية متطرفة وأن بعضهم شارك في الحرب ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي وامتلك الخبرة الكافية على العمليات الحربية.
قلب المعركة
وفي قلب هذه التحديات، تبرز مشكلة الإعلام الذي اتهمه الغنوشي «بمناوئة الحكومة»، الأمر الذي يتفق معه الإسلاميون، الذين يرون أن الإعلام «متحامل عليهم» في حين يتهمهم الإعلاميون بالسعي لــ«أسلمة الإعلام» وتدجينه في وقت تعاني فيه الساحة من الاختلاف في فهم طبيعة المرحلة. وفي حين تفترض الحكومة في الإعلام أن يكون عنصر وفاق وتقريب مسافات وتهدئة للرأي العام وبث الأمل في النفوس وتقدير المخاطر التي تهدد البلاد، يرى الطرف الآخر أن على الحكومة الإقرار بأن الإعلام لم يعد حكومياً بقدر ما هو عمومي من مهامه توضيح كل ما يجري للرأي العام دون اعتبار توصيات الحكومة أو قناعات الأحزاب.
اهتزازات عنيفة
وكانت الساحة الإعلامية شهدت اهتزازات عنيفة بعد إعلان الحكومة إجراء تعيينات في القطاع العام، في وقت ما يزال المسؤولون الحكوميون يشتكون من كثرة الأخبار المغلوطة التي تنشرها الصحافة والتي دفعت بمؤسستي الرئاسة ورئاسة الحكومة إلى تكذيب بعضها مثل التصريحات التي نسبها الإعلام للمرزوقي أثناء زيارته ليبيا والإعلان عن تدهور الحالة الصحية للجبالي، في حين رد الأخير أن «المؤسسات الإعلامية الآن لا تعبّر عن الإرادة الشعبية المجسمة لنتائج الانتخابات».
