رغم أن الساحة السياسية المصرية تغص بالعديد من القوى والتيارات التي تسعى لكسب تأييد الشارع، إلا أن المراقبين يجمعون على وجود أربع قوى فاعلة في هذا المشهد، أولها المؤسسة العسكرية التي تحكم البلاد منذ تنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك، والإسلاميون الذين يستحوذون على الأغلبية البرلمانية، ثم شباب الثورة الذين ظهروا بوضوح خلال الفترة الماضية من حيث قدرتهم على تحريك الأحداث، بالإضافة إلى الليبراليين الذين يسعون إلى توحيد صفوفهم وتغيير استراتيجيتهم بهدف التقارب مع الشارع. غير أن السؤال الذي يبقى مطروحاً: «ما هو الدور المأمول لتلك القوى مستقبلاً بعد تشكيل البرلمان ووضع الدستور وانتخاب رئيس جديد؟»، وأي منها ستكون هي المسيطرة على الساحة مستقبلاً.

 

المجلس العسكري

يتفق المراقبون على أن مستقبل المؤسسة العسكرية، باعتبارها قائدة المرحلة الانتقالية الحالية، سيظل هو الخلاف الأعظم على الساحة السياسية، في ظل ما يثار من تكهنات عديدة حول وضع تلك المؤسسة في الدستور الجديد، وهي التكهنات التي بدأت منذ الوثيقة التي أعلنها نائب رئيس الوزراء السابق علي السلمي، والتي حملت في ثناياها وضعاً مميزاً للجيش، يتيح له صلاحيات كبيرة، تجعله «دولة بداخل الدولة»، بحيث يكون له الحق في إخفاء ميزانيته وألا يناقشها البرلمان، إلا أن هذا الوضع لم يرضِ الكثير من التيارات السياسية، فدفعها إلى النزول للشارع، مطالبة بإسقاط الحكومة السابقة برئاسة عصام شرف، وإلغاء وثيقة السلمي.

 

تصريحات متناقضة

واللافت هنا هو التناقض الذي بدت عليه تصريحات جماعة الإخوان المسلمين بشأن موقفها من وضع المؤسسة العسكرية في الدستور، حيث صدر منها أكثر من تصريح متناقض على لسان قياداتها، ففي حين أكد البعض منهم أن الجماعة تؤيد وضعاً مميزاً للجيش في الدستور، وتكفل له الخروج الآمن من السلطة، نفى أحد قيادات حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية للجماعة صبحي صالح، ذلك إجمالاً وتفصيلاً، مؤكداً أن الجماعة باعتبارها صاحبة الأغلبية بالبرلمان تؤيد استمرار وضع الجيش بالدستور على ما هو عليه الآن.

وفي تصريحات أخرى قال أمين مساعد حزب الحرية والعدالة عضو مجلس الشعب عمرو زكي: إن الدستور من حقه أن يكفل نوعاً من الحماية للقوات المسلحة، باعتبارها تخدم الوطن وتحميه، دونما المساس بحق المواطن، مشيراً إلى أن جميع الدساتير السابقة، لم تتخطَ الخط الأحمر مع الجيش. أما المرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة حازم صلاح أبو إسماعيل فيرى أن المؤسسة العسكرية لابد أن تكون «جهة خدمة»، وليس صاحبة سلطة، مثل أي دولة في العالم. وبهذا التباين والجدل، بات موقف الجيش غامضاً، إلا أن الثابت والذي كشفت عنه تصريحات عدد من قيادات الجماعة أن القوات المسلحة «لم تطلب وضعاً مميزاً لها بالدستور»، وهو ما يجعل السيناريو الأرجح أن يستمر وضعها على ما كان عليه.

 

شباب الثورة

وعن وضع شباب الثورة والدور المأمول، يرى الكثير من الفقهاء الدستوريين أن الدساتير عموماً لا تعترف بالحركات ولا التيارات غير المحزبة، ولذا يبقى قانون أحزاب الشباب هو «الملاذ الآمن لشباب الثورة»، إلا أن عضو المكتب التنفيذي لائتلاف شباب الثورة خالد تليمة، يشير إلى أن شروط تأسيس الأحزاب «مجحفة لإرادة الشباب»، مردفاً: «ففي الوقت الذي تم فيه خفض سن المرشحين إلى 25 عاماً؛ انتصاراً لروح الشباب الذين طهّروا مصر من فساد ثلاثين عاماً هي طول الفترة التي قضاها الرئيس السابق حسني مبارك في الحكم، إلا أن قانون الأحزاب عملياً يحرم هذا القطاع بالكامل من تأسيس أي حزب سياسي؛ نظراً إلى ارتفاع تكاليف التأسيس وحشد المؤيدين من مختلف المحافظات، فضلاً على تحمل تكلفة نشر أسماء الأعضاء بجريدتين واسعتي الانتشار».

ويرى تليمة أن تلك الشروط المجحفة لتأسيس الأحزاب «ساهمت إلى حد كبير في عدم تواجد شباب الثورة بشكل قوي داخل البرلمان»، في الوقت الذي كان فيه المستفيد الأول هم فئة رجال الأعمال وجماعة الإخوان المسلمين، على اعتبارهما أقوى الفصائل الحالية، فواحدة تمتلك الشعبية وسلاح الدين، والأخرى تمتلك المال والقدرة على حشد الناخبين، وتأسيس الأحزاب وما إلى ذلك.

 

التيارات السياسية

فيما يتعلق بمستقبل التيارات السياسية الأخرى ومن بينها الإسلاميون، فيرى الخبير السياسي محمد حبيب، أنه بسقوط النظام البائد تجرأ الجميع على المشاركة السياسية، خاصة أنه خلال 30 عاماً مضت سيطر النظام على مقاليد الأمور، وأسهم في تهميش النخبة.

 ويؤكد أن هناك حاجة ماسة في الوقت الحالي لتجنب الخلافات بين التيارات السياسية الموجودة على الساحة، والعمل من أجل توحيد رؤيتهم جميعاً نحو حلم أو هدف واحد تأكيداً على الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، والمرتكزة على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة والعدالة الاجتماعية والحرية وغيرها، معتبراً أن الثورة تواجه «ثورة مضادة» تريد القضاء عليها بشكل تام، الأمر الذي يستدعي في الوقت الحالي عدم التركيز على تيار سياسي بعينه وعدم اختلاق المشاكل حول كل تيار مثل الإخوان المسلمين وغيره من التيارات والفصائل المتعددة، والنظر إلى ما هو أبعد من ذلك.

ويتفق حبيب مع الآراء التي تقول بنفوذ وهيمنة الإسلاميين خلال الفترة المقبلة، إلا أن هذه الهيمنة ستظل مرهونة بمدى قدرة هذا التيار على تحقيق طموحات الشارع.

 

أحزاب الثورة

أما عن مستقبل الأحزاب الجديدة، فيتوقع رئيس الحزب الدستوري ممدوح قناوي، أن يتم تقييد الأحزاب الجديدة أو سقوط الكثير منها؛ لأنها لا تحمل أي فكر إلا بروح الثورة وحماس الشباب فقط، مؤكداً أن لجنة شؤون الأحزاب رفضت أكثر من حزب؛ لأنه قائم على أساس «ديني بحت»، كما أنها رفضت الكثير من الأحزاب التي لم تلتزم بالشروط التي حددها القانون. ويؤمل قناوي أن يؤدي هذا الزخم السياسي في عدد الأحزاب عن تأسيس أحزاب قوية تستطيع المنافسة في البرلمان، وأن تقدم رموزه لانتخابات الرئاسة، على أن تلجأ الأحزاب الصغيرة إلى الاندماج لتكوين كيانات أكبر تستطيع المنافسة، وأن تسقط في الوقت ذاته الأحزاب غير الجادة.

 

التيار الليبرالي

أما عن الليبراليين الذين يحاولون أن يستجمعوا قواهم فإنه من المتوقع أن يشكلوا دور «المعارضة» في مواجهة الإسلاميين الذين من المقرر أن يمتلكوا زمام الأمور خلال المرحلة المقبلة، وأن يفرضوا سيطرتهم على الساحة السياسية.