مع حلول الذكرى الأولى لثورة 25 يناير، التي أنهت نظام الرئيس السابق حسني مبارك عقب ثلاثة عقود من الحكم، غداً، يشغل بال المصريين أسئلة ليس أقلها ما تحقق من أهداف وما بقي من طموحات خلال الشهور المقبلة، ورغم إجماع كافة القوى على أن الثورة حققت بعض الإنجازات إلا أن الجميع شبه متوافق على أن الطريق ليس معبداً بالورورد وأن التحديات كثيرة.
«البيان» حاولت استشراف الغد وإدراك ما تحقق وما هو مؤمل عبر قراءة أفكار سياسيين وخبراء ونشطاء ينتمون إلى تيارات مختلفة لمحاولة رسم خريطة طريق لغد مصر الثورة.
ويرى المنسق العام لحركة شباب من أجل العدالة والحرية عضو ائتلاف شباب الثورة محمد عواد أن الثورة في عامها الأول حملت العديد من الإيجابيات ولكن في الوقت ذاته شهدت سلبيات تتعلق بعدم تنفيذ المطالب، لافتًا إلى أن بعض ما تحقق جاء نتيجة الضغط الشعبي عن طريق «المليونيات» التي يشهدها ميدان التحرير وسط العاصمة القاهرة. ويتوقع عواد حدوث «موجة ثانية» من الثورة في المرحلة المقبلة؛ حال استمرار تجاهل مطالب الثورة الحقيقية والخاصة بسرعة محاكمة رموز النظام السابق وتسليم السلطة لإدارة مدنية منتخبة.
وعن الإنجازات التي تحققت يقول عضو ائتلاف الثورة إننا «أسقطنا جزءًا من النظام وليس كله»، وأصبحنا قوى سياسية في المجتمع نتفاعل مع الناس بشكل أفضل، كما أن هناك جانبًا يتمثل في العملية الانتخابية هو مشاركة الناس فيها أيًا كان الاختيار، فالمشاركة في حد ذاتها هي انتصار نفسي للثورة.
وحول توقعاته لما سيحدث خلال العام الثاني يردف القول أعتقد أنه لو لم يتخذ الجيش خطوة حقيقية لنقل السلطة بشكل ديمقراطي، فسيكون العام الثاني «من أصعب الأعوام التي ستمر» حيث سيشهد تصعيدات شعبية لا نحبذها، ولكننا سنضطر إليها حتى يتم نجاح الثورة، متوقعًا في الوقت ذاته ألا تشهد هذه الموجة تخريبًا لأن الناس ستنزل ولها مطالب وأهداف سياسية واضحة.
مكاسب نوعية
أما عضو المكتب السياسي لحركة «6 أبريل» الجبهة الديمقراطية شريف الروبي فيعرب عن ثقته أن الثورة أنجزت مكاسب نوعية على رأسها تنحي الرئيس السابق حسني مبارك وإعادة اكتشاف الشعب لنفسه من جديد، حيث أظهر أن لديه وعيًا ثوريًا لم يكن يدور في خلد أحدنا.
ويوضح لم نكن نتوقع أن يكون لدى الشعب هذا الزخم الثوري، ولكن في الوقت ذاته بعد تنحي مبارك بدأت القوى الثورية في الاختلاف مع بعضها البعض، وهذه كانت من السلبيات الكبيرة جدًا. لكن الروبي يؤكد أن الثورة ستستمر لأعوام عديدة حتى تنجح في تحقيق أهدافها، موضحا أن معظم مطالب الثورة لم تتحقق حتى الآن بسبب وجود حالة من التخوين بين الأطياف السياسية طمعًا في المناصب، وهذا أحدث تعطيلاً جزئيًا لمسار الثورة، على حد قوله.
وفيما يتعلق بتوقعاته للعام الثاني، أوضح عضو المكتب السياسي لحركة 6 أبريل، أن مجريات الأمور في الفترة المقبلة ستتوقف على ثقافة الشعب وهل ستجتمع الأيديولوجيات نفسها مرة أخرى على أساس الإصلاح والبناء أم ستستمر لعبة الكراسي الموسيقية بين القوى السياسية. ويضيف أظن أنه في العام الثاني ستتحقق بعض المكاسب النوعية مثل محاكمة الفاسدين وتصحيح المنظومة الإدارية ووضع حد أدنى وأقصى للأجور ورحيل المجلس العسكري إذا لم تحدث صفقات بينه وبين التيارات الإسلامية التي استحوذت على غالبية مقاعد مجلس الشعب (البرلمان) الذي بدأ أعماله امس.
حراك سياسي
وبحسب المنسق العام السابق لحركة «كفاية» جورج إسحاق، فإن العام الأول للثورة شهد حراكاً سياسياً غير مسبوق، حيث أصبح العامة يتحدثون في الدستور ومواده وأوليات المرحلة هل الدستور أولاً أم الانتخابات أولاً بعد أن ظلوا بعيدين عن أي مشاركة سياسية لأعوام طويلة مضت. ويردف، إلى ذلك ظهور تيارات سياسية على المشهد لتقديم رؤيتها للمستقبل بينما لم تكن محسوبة على الحياة السياسية في النظام السابق.
ومن الإيجابيات أيضًا التي يراها إسحاق في العام المنصرم، الضغط الشعبي الذي أدى إلى محاكمة مبارك ورموز النظام السابق، بجانب إجراء الانتخابات البرلمانية. في موازاة ذلك، يرى أن السلبيات ما وقع من قمع للمتظاهرين بداية من حادثة البالون ومرورًا بحوادث العباسية وماسبيرو ومحمد محمود وانتهاء بأحداث مجلس الوزراء، حيث شوّهت هذه الأحداث شكل الثورة في عيون البعض في الداخل والخارج.
ومع ذلك، يتوقع المنسق العام السابق لحركة كفاية أن يكون العام الحالي أكثر استقرارًا وأمنًا في ظل وجود مجلس نيابي ودستور ورئيس جمهورية، مؤكدا أن مثل هذه الخطوات تطمئن المجتمع الدولي والإقليمي العربي تجاه القاهرة.
أما عضو مجلس الشعب نائب رئيس حزب الكرامة سعد عبود فيتمنى أن تتحقق أهداف الثورة بمعدل أسرع من هذا، فحصاد العام الأول أقل بكثير مما كنا نتوقعه، موضحا «لم تكن للثورة قيادات تستطيع أن تضع برنامجًا سريعًا للتخلص من كل رموز وبقايا وتراكمات النظام السابق وتعيد بناء مؤسسات الدولة على وجه السرعة حتى تتفرغ لإعادة بناء الوطن تحت الشعار الشهير الذي قامت من أجله وهو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية». ويوجه انتقاده أيضًا لتباطؤ المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إتمام المرحلة الانتقالية، مشيرا إلى مرور عام ولم يتم بعد صياغة دستور أو إجراء انتخابات رئاسة الجمهورية.
وبحسب ووفقا لعضو مجلس الشعب رئيس حزب الأصالة عادل عفيفي، فإن العام الثاني سيكون أكثر إيجابية، موضحًا أن مطالب الثورة ستتحقق خلال هذا العام في ظل وعد المجلس العسكري بتسليم السلطة لإدارة مدنية منتخبة، ومن ثم عودة الاستقرار على كافة المستويات.
المصريون في ذكرى ثورتهم: أمل وألم
يعيش المصريون أجواء ترقب للذكرى الأولى لثورتهم غداً، وسط أمل وقلق: أمل يحدوهم في أن تحقق الثورة ما قامت من أجله «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، وقلق من تحديات لا تزال تقف حجر عثرة أمام هذه الأهداف التي ظلت لعقود مجرد أحلام تسكن خلجات أنفسهم، وباتوا يرون تحقيقها قاب قوسين أو أدنى.
ومع انطلاق أولى جلسات مجلس الشعب (البرلمان)، المؤسسة التشريعية الأولى المنتخبة بعد الثورة، يأمل المصريون أن يعبر هذا المجلس عن طموحاتهم بعيداً عن الصراعات الحزبية والفئوية، وأن يأخذ على صياغة دستور يحقق التوافق ويعبر عن ضمير المصريين باختلاف انتماءاتهم الحزبية والدينية. كما يأمل الشارع السياسي في استكمال خارطة الطريق التي تم الاستفتاء عليها في مارس من العام الماضي، والتي حددت سبل الخروج من الفترة الانتقالية التي شكلت «كابوساً» يلاحق نجاح الثورة، وذلك عبر انتخاب مجلس الشورى، ثم إجراء انتخابات رئاسية لتنتقل السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى إدارة مدنية منتخبة.
ورغم أجواء الأمل التي تسيطر على الشارع، فإن القلق لا يزال حاضراً بقوة لدى البعض، لما رأوه من صراع وسجال دب بين القوى السياسية التي كانت وحدتها عنوان قوتها إبان الثورة، إضافة إلى هاجس «عسكرة الثورة» والخوف من أن يحظى المجلس العسكري بوضع خاص داخل الدستور، يجعل منه دولة داخل أخرى.
وليس بعيداً عن ذلك، ينتاب آخرين توجس من سوء الأوضاع الاقتصادية، والمطالب الفئوية، التي غدت واحدة من «المؤرقات» للحكومة، وساهمت بشكل كبير في تراجع عجلة الانتاج التي تأثرت بطبيعة الحال بمجريات الأمور منذ اندلاع الانتفاضة في العام الماضي، الأمر الذي حذر منه رئيس الحكومة الحالية كمال الجنزوري حين قال: إن اقتصاد بلاده يعاني من عجز في الموازنة العامة بمقدار 22 مليار دولار، مشيرا إلى أن الدين الداخلي يرتفع بنسب تتراوح بين خمسة وستة مليارات جنيه شهرياً.


