في خضم ارتفاع الأصوات المنادية بمعاودة الاعتصام والتظاهر في مصر في الذكرى الأولى للثورة المصرية في 25 يناير الجاري، وتزامناً مع مساندة الكثير من الشخصيات العامة وقادة الرأي العام للفكرة تأكيداً على مطالب الثورة، تزداد «أزمة الوقود» تفاقماً في الشارع المصري وليس أدل من رفع محطات الوقود لافتات تقول «لا يوجد بنزين»، الأمر الذي أدى إلى اختناقات مرورية حادة وطوابير طويلة للسيارات أمام المحطات خصوصاً بعد التهام الأزمة أنواعاً كانت متوفرة مثل بنزين 92 و95 أوكتين، في وقت تعهدت فيه الحكومة بحل الأزمة في غضون 48 ساعة.
ورغم أن المسؤولين في الحكومة المصرية يسابقون الزمن للخروج من الأزمة الحادة بطرح 300 طن يومياً من جميع أنواع البنزين، بمعدلات زيادة بلغت 33 في المئة على المعدلات الطبيعية للاستهلاك التي تتراوح ما بين 14 و14.5 ألف طن يومياً، إلا أن تسييس الأزمة كان أحد الأسباب المحتملة التي طرحها المصريون في تفسيرهم لاختفاء البنزين من المحطات، بخلاف أسباب أخرى تتعلق بعدم تفعيل الرقابة وافتقاد الحكومة لإدارة الأزمات.
وتتباين آراء الخبراء والمراقبين تجاه الأزمة وتفاقمها في هذا التوقيت الذي يستعد فيه المصريون للاحتفال بالذكرى الأولى للثورة، ففي الوقت الذي وصف فيه بعض المراقبين الأزمة بـــ «المُسيسة» من النظام لعمل نوع من التكدس المروري في الشارع لإعاقة أو منع المتظاهرين من الذهاب إلى ميدان التحرير، كواحدة من أبرز آليات الأنظمة السابقة في «إلهاء المواطنين» عن السياسة عبر الانشغال بالمشكلات المجتمعية ، نفى فريق آخر من المراقبين الاحتمال شكلاً ومضموناً، مؤكدين استحالة أن يكون لتلك الأزمة بعد سياسي في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد المصري من التوترات على جميع الأصعدة والقطاعات، تجعل وجود أزمة ونقص بالمواد البترولية أمراً طبيعياً الآن.
وقال القيادي الإخواني جمال حشمت في تصريحات لـ «البيان»: إن الحديث عن قيام الحكومة أو المجلس العسكري بافتعال أزمة الوقود لإقصاء الناس عن المشاركة يوم 25 يناير، مردود عليه بأن هناك من المواطنين من يعتزمون النزول للميادين للاحتفال، وبدعوة من الحكومة والمجلس نفسه، بما يعني أن لا أحد له مصلحة في إقصاء المواطنين عن النزول، أو افتعال أزمة الوقود من أجل تحقيق ذلك.
ونوه حشمت بأن هناك دعوات كثيرة في 25 يناير، منها ما هي مؤيدة لسياسة الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومنها دعوات معارضة، إذ انقسم الشارع المصري إلى قسمين: الأول، يريد التهدئة ويدعم بقاء المجلس العسكري حتى انتهاء المرحلة الانتقالية الحالية، وانتخاب رئيس للجمهورية، والبعض الآخر يعارض ذلك بشدة.
حلول في الطريق
يأتي هذا في الوقت الذي أعلن فيه مسؤولون حكوميون بداية من رئيس الحكومة د. كمال الجنزوري ووزير البترول د. عبدالله غراب أن الأزمة في طريقها إلى الحل المناسب خلال ساعات قليلة مقبلة لا تتعدى الـ48 ساعة، نافين إمكانية زيادة أسعار الوقود، مراعاة لظروف المواطن والوطن الآن عقب الثورة، والحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشارع المصري.
من جانبه، قال عضو المكتب التنفيذي لاتحاد شباب الثورة علي حافظ لـ «البيان»: إن هناك محاولات جادة من قبل الجهات المعنية لدرء أي تظاهرات أو اعتصامات في ذكرى الثورة، من شأنها إعادة ذكرى الثورة وإحداث نوع من التغيير الذي لا يرغبه المسؤولون في الوقت الحالي، مشيراً إلى قيام الحكومة والمجلس العسكري ببذل مجهودات كبيرة من أجل تنظيم احتفالات كبيرة بجميع المحافظات بالعيد الأول للثورة، كمحاولة لإلهاء المواطنين عن النزول للتظاهر، والمطالبة بتسليم السلطة لمجلس الشعب، الأمر الذي يجعل هناك نوعاً من الشبهة في أزمة الوقود، والتي قد تكون «مختلقة» لإحداث نوع من التزاحم المروري على محطات الوقود، وشل حركة الطرق، وإحداث بلبلة عامة بالمجتمع، الأمر الذي وصفه بأحد أساليب نظام الرئيس السابق حسني مبارك.
ويضيف إن تفاقم أزمة الوقود الآن دون وجود آليات حقيقة لردعها وحلها يطرح علامات استفهام كثيرة، ويؤكد أنها مختلقة لمصالح سياسية أخرى».
وفي السياق اعتبر عدد من النشطاء عبر موقعي: الفيسبوك وتويتر أن نقص الوقود هو محاولة لمنع سيناريو «حرق مصر» في 25 المقبل، وهو السيناريو الذي تكهن به عدد من المحللين وبعض المصادر العسكرية الأخرى، مؤكدين أن هناك أيادي خفية تتلاعب بمقدرات الشارع المصري، وتحاول سرق الثورة وإفشالها.
فرصة للمجلس العسكري!!
وفي السياق ذاته اعتبر مراقبون أن أزمة الوقود الحالية بمثابة فرصة للمجلس العسكري للتأكيد على بقائه حتى انتخاب رئيس للجمهورية، خاصة أنها فرصة سانحة جداً له كي يدين الثوار، ويؤكد أن تظاهراتهم تدمر الاقتصاد المصري، وتقف عائقًا أمام تحقيق الاستقرار المنشود، ويقوم بتحميلهم المسؤولية كاملة عن نقص الوقود وما يحدث من أزمات اجتماعية أخرى، تبرر بقاءه حتى انتهاء المرحلة الانتقالية بشكل كامل.
وأكد أنصار هذا الاتجاه أن الأزمة ليست مفتعلة ولا مُسيسة، لكنها بالتأكيد جاءت في صالح المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لتبرير بقائه، وإدانة الثوار، ومطالبتهم بالاهتمام بالعمل ومبادرات تنمية الاقتصاد وتقدمه، بدلاً من الوقفات الاحتجاجية والمطالب الفئوية والمظاهرات وغيرها، والتي تعطل مصالح مصر.

