تنفس أهل الكويت الصعداء بعد قرار المحكمة الإدارية بإلغاء الشطب عن المرشح لمجلس الأمة فيصل المسلم العتيبي إضافة إلى ثلاثة آخرين ما جنّب الواقع السياسي والنيابي تسخينا قادما لا محالة لو استمر الحال على ما هو عليه.

وشهدت الأيام القليلة الماضية تخندقا للمعارضة على خلفية قرار وزارة الداخلية الكويتية شطب المسلم من قوائم المرشحين الذين يحق لهم المنافسة على عضوية مجلس الأمة المقرر في 2 فبراير المقبل، وبدت الأجواء الانتخابية حينها ملبدة بغيوم أزمة لم يسبق لها مثيل من ناحية استخدام سلاح الشطب وسيلة لإقصاء مرشح عرفت عنه معارضته للحكومة خاصة إبرازه في قبة عبدالله السالم بالمجلس للشيك الصادر من قبل رئيس الحكومة السابق الشيخ ناصر المحمد لصالح احد النواب.

وما استتبعه ذلك من رفع قضية على النائب المسلم وإدانته قضائيا بكشف حسابات مصرفية وذلك اثر قيام أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر قبول استقالة الحكومة وحل مجلس الأمة بعد أن تصاعدت الأزمة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية إلى درجة أصبح فيها عسيرا المضي في تطبيق خطط التنمية ومحالا التعاون أو التفاهم بينهما، بل إن الاحتقان وصل إلى الشارع ورأى الجميع نتائجه في اقتحام مجلس الأمة ومن قبله الاشتباك بالأيدي والعُقُل بين النواب، مع كم كبير من طلبات الاستجواب بغرض إحراج الحكومة ورئيسها.

 

دحض الشكوك

ودحض قرار إلغاء الشطب تشكيك بعض عناصر المعارضة في نزاهة القضاء الكويتي وحياده التام تجاه الحياة البرلمانية ووقوفه على مسافة واحدة من الجميع. وفي صورة لها دلالات بالغة في مستقبل الأيام فيما يخص اللجوء إلى القانون للفصل فيما يرد من خلافات وأحكام تدخل ضمن اختصاصه حيث يحسب لجهات القرار حسمها في عدم تسييس السلطة القضائية، والنأي بعيدا بها عن المناكفات ولغو القول ومن اجل ضمان سير آمن وعادل للعملية الانتخابية ومن اجل إتمام العرس الديمقراطي الذي توافق عليه الكويتيون حكومة وشعبا رغم كل ما يكتنفه من انتقادات ومشادات تخرج في بعضها عن المألوف خليجيا من ثقافة الحوار والخلاف.

وفوت قرار إلغاء الشطب على المعارضة اللعب على ورقة مخالفة الدستور الذي يحترمه الجميع في الكويت، إذ يعتبر بنصوصه التي قامت على فصل السلطات وتوضيحها مرجعية لم تستطع الأطراف بالرغم من خلافاتها تجاوزه، وهذا ما جعل المادتين 108 و110 منه مثارا للاستدعاء خاصة من قبل الرافضين لقرار الشطب مستندين الى نص أن «عضو مجلس الأمة يمثل الأمة بأسرها ويرعى المصلحة العامة ولا سلطان لأي هيئة عليه بالمجلس ولجانه، ونص أن عضو مجلس الأمة حر فيما يبديه من الآراء والأفكار بالمجلس ولجانه ولا تجوز مؤاخذته عن ذلك بحال من الأحوال».

ومهاجمين بهذا النص الدستوري حكماً قضائياً صدر في حق النائب المسلم وعليه بَنَت الداخلية مسوغات الشطب، ولذا فقد جاء قرار المحكمة الإدارية الأخير مؤكدا تماشيه مع نص الدستور وهو مع حياديّته فإنه فوت على معارضة 2012 المتوقعة التلويح بنصوصه في مواجهة الحكومة القادمة وجنب المرحلة المقبلة من تاريخ الكويت تأزما بذائقة مخالفة دستور البلاد، أضف إلى ذلك أن هناك من يهمهم ضرورة مراجعته ويتهمه بـ «الكهولة».

 

عدم تدخل وحظوظ

ومرة أخرى تعزز السلطة التنفيذية من حظوظها الشعبية بعدم تدخلها في اختصاص السلطة القضائية والتزامها بقرار إلغاء الشطب، وخلال السنة الماضية وما شهده مجلس الأمة من مفارقات محزنة في تجربته الديمقراطية، فإنه أدى إلى امتعاض الكثير من القطاعات الشعبية من أداء المجلس المنتخب، سواء ناحية المعارضة التي شهرت سيف الاستجوابات مسلطا على الحكومة أو حتى من تلك الفئة التي اتهمت بالحصول على أموال مشبوهة، اذ لم تكن المحصلة العامة لصالح النواب الذين اختارهم الشعب لمناقشة قضاياه والدفاع عن حقوقه ما أدى الى انكفاء لا يمكن إنكاره من قبل شريحة واسعة من المجتمع الكويتي عن المشاركة في السجال الدائر متهمين شريحة من النواب بشخصنة المجلس والذهاب به بعيدا عن دوره.

ولا يخفى على المتابع للشأن الكويتي التغير الذي شهده المزاج الشعبي في اتجاه فض اليد عن كثير من الرموز الحالية في مجلس الأمة رغبة في رؤية انجازات حقيقية وملل من التأزيم الذي أوصد الأبواب وأغلق النوافذ أمام سانحة حل أو مساحة تنفس تسمح بتحقيق خطوات جادة في اتجاه الإصلاح وفقا للنسق المنطقي بين المعارضة والحكومة، وبتوازن يقدر الظروف الداخلية واستحقاقات المرحلة ولا يغفل الظروف الخارجية والتحديات الواردة.

 

استثمار القرار

لقد أوشكت المعارضة أن تسترد عافيتها شعبيا باستثمار قرار الشطب، والتمركز مرة أخرى من خلال دعوة التجمع في ساحة الإرادة أمام مجلس الأمة لكن الإلغاء جنّب الجميع أزمة عرفنا بدايتها ومجهول نهايتها، ومن المتوقع أن تقرع المعارضة في تالي الأيام طبول الفرح بعد عودة فيصل المسلم إلى قوائم المرشحين للانتخابات المقبلة باعتباره نصرا لها، لكن الفوز الحقيقي يسجل للقضاء العادل ومن بعده للسلطة التنفيذية التي التزمت بالحكم الصادر.