تحتفل تونس اليوم السبت بالذكرى الأولى لثورة 14 يناير التي غيرت مجرى التاريخ في المنطقة وفتحت الباب أمام الربيع العربي. وقام النقابيون والمحامون ومناضلون قوميون ويساريون وإسلاميون بدعم الانتفاضة الشعبية، في حين قام المدونون وشباب المنتديات الاجتماعية على الانترنت بدور بالغ الأهمية في الترويج الإعلامي للأحداث واختراق جدار الصمت الذي كان نظام زين العابدين بن علي يفرضه على الإعلام المحلي و الدولي.

وشهدت الثورة سقوط 219 قتيلا و مئات الجرحى، في وقت قام الجيش بدور محوري في حسم الأحداث، عندما انحاز إلى الشعب ورفض التصدي للجماهير الغاضبة. كما كان للإضرابات العامة التي دعا إليها الاتحاد العام للشغل بولايات صفاقس وقفصة وقابس وسوسة، تأثيرها البالغ في محاصرة النظام، الأمر الذي بعث في بعض الأطراف الحاكمة رغبة في استغلال الوضع للانقلاب على بن علي من داخل السلطة الحاكمة ذاتها. ومن هذه الأطراف مدير الأمن الرئاسي الجنرال علي السرياطي، الذي أصر على أن يغادر بن علي تونس لبضع ساعات لضمان سلامته. ولكن بمغادرة الرئيس السابق أرض المطار، أغلق المجال الجوي في وجهه، كما دعي قائد الطائرة التي نقلت بن علي وأسرته إلى مدينة جدة السعودية للعودة بدونه.

وتأتي الاحتفالات بالسنوية الأولى بعد عام شهد ثلاث حكومات تناوبت على الحكم، وهي حكومة محمد الغنوشي الانتقالية، ثم حكومة الباجي قايد السبسي الانتقالية ، تلتهما حكومة حمادي الجبالي.

وتولى رئيس مجلس النواب في العهد السابق فؤاد المبزع الرئاسة المؤقتة من 15 يناير إلى 13 ديسمبر 2011 تاريخ تسلم منصف المرزوقي مقاليد السلطة في قصر الجمهورية بقرطاج.

وفي 23 اكتوبر الماضي، شهدت تونس أول انتخابات تعددية ونزيهة شارك فيها 15 الف مرشح ضمن 1200 قائمة انتخابية. وأفرزت النتائج تفوقاً لحركة النهضة الاسلامية بـ42 في المئة من مقاعد المجلس الوطني، ما أهلها إلى الاضطلاع بمسؤولية الحكم بعد تحالفها مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات.

 

حكومة اسلامية

وكلفت حركة النهضة أمينها العام حمادي الجبالي بتشكيل الحكومة، في حين آلت رئاسة المجلس الوطني التأسيسي الى زعيم حزب التكتل مصطفى بن جعفر ورئاسة الجمهورية الى المرزوقي زعيم حزب المؤتمر، وذلك بموجب الدستور المؤقت الذي صادق عليه المجلس في 10 ديسمبر الماضي.

 

شهادة السبسي

ويرى رئيس الحكومة السابقة الباجي قايد السبسي في شهادته على الثورة أن ميزتها تكمن في أنها «عبرت عن إرادة الشعب و فتحت الأبواب أمام شعوب المنطقة لكي تنتصر لطموحاتها في الحرية والديمقراطية والتعددية». ويضيف في تصريحات لـ«البيان» بهذه المناسبة أن الثورة «أسقطت النظام الديكتاتوري، غير أن الدولة التونسية بقيت صامدة و قوية.

كما أن الادارة التونسية نجحت في تجاوز مرحلة الفوضى والانفلات الأمني، ما يدل على قوتها و عراقتها». و يردف: «جاءت الثورة في وقتها لتؤكد أن الشعب يمكن أن يغير مجرى التاريخ ويثأر لكرامته ولسيادة قراره، وأن ينجح في تحقيق طموحاته، ويعطي درساً للعالم في أن الشعوب العربية المسلمة ليست مستثناة من حركة التاريخ، وإنما تستطيع ان تكون في قلبه».

 

شهادة الغنوشي

ويقول زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي في شهادته على الثورة انها «انطلقت بعفوية أشعلها الشاب محمد البوعزيزي بعدما أحرق نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجا على مصادرة الشرطة البلدية لمصدر رزقه المتمثل في العربة، التي كان يستعملها لبيع الخضر والفواكه». ويضيف الغنوشي أنها «كانت طفرة تاريخية توفرت لها العديد من الشروط على مدار 23 عاماً ليكون قدر انطلاقها يوم 17 ديسمبر 2010 وانتهت برحيل رمز الفساد والاستبداد».

 

شهادة الجلاصي

أما القيادي في الحركة عبد الحميد الجلاصي فيرى أن الثورة التونسية «كانت تلقائية، ولكنها عبرت عن حالة من الغضب المكبوت الذي كان يشعر به التونسيون إزاء نظام مفسد مارس كل أشكال الديكتاتورية و الاستبداد والفساد»، مضيفاً أن الشعب التونسي «اندفع بصوت واحد ينطلق من حنجرة واحدة ليعبر عن توقه للحرية ورغبته في أن يمارس سيادته في إدارة شؤونه.

فهو شعب متعلم مثقف واع وقادر على قيادة بلاده إلى شاطئ السلامة». ويستطرد: «أثبتت الأيام أن التونسيين يمتلكون إرادة صلبة ووعياً كبيراً ورؤية واضحة للمستقبل، سواء أيام الثورة على نظام المخلوع، أو خلال الانتخابات أو ما بعدهما».

 

شهادة الاينوبلي

كما يشير الأمين العام لحزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي احمد الاينوبلي إلى أن «الشعب التونسي الذي صنع ثورته بإرادته الحرة، بعيداً عن أي استقطاب أيديولوجي، قادر اليوم على حمايتها وتحقيق أهدافها مع ضمان حماية قراره الوطني». ويستطرد: «لم يعد هناك أي مجال للتراجع عن حرية التعبير وعن مقاومة التدخل الاجنبي مهما كان حجمه.

وعن قيم الهوية العربية الاسلامية التي كانت مستهدفة لأكثر من 50 عاماً، حيث أصبح التونسيون مجمعين على تحقيق استقلالية القضاء وحرية الإعلام والتداول السلمي للسلطة، وليس بوسع أي طيف سياسي أن يعتقد أنه انفرد بالحكم». ويضيف: «التونسيون قادرون على تأطير الثورة في المسار الذي يخدم مصالحهم فوق أي استقطاب حزبي أو إيديولوجي».

 

المقدم سمير الترهوني يستذكر الأحداث

 

 

ما ميز 14 يناير 2011، تدخل السلطات في البلاد وتحرك جماعات مختلفة منها وحدة مكافحة الإرهاب التي بادر رئيسها المقدم سمير الترهوني إلى إلقاء القبض على أسرتي الرئيس السابق زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي بمطار تونس قرطاج ومنعهم من السفر.

ويقول الترهوني: إن مسلسل الأحداث تسارع يوم 14 يناير انطلاقاً من الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بتوقيت تونس، حين تلقى مكالمة هاتفية من المسؤول عن فرق مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية تفيد بأنه تلقى تعليمات بـ«التأهب للرماية» غير أنه أعلمه بـ«رفض التعليمات واستعمال الغاز المسيل للدموع فقط».

وعلى إثر ذلك، تلقى الترهوني إشعاراً بوجود شغب ورمي للحجارة في محيط مطار تونس قرطاج، ما دفعه للاستيضاح عن مدى صحة هذه الأخبار من زميله المقدم حافظ العوني الموجود بالمطار، والذي نفى هذه المزاعم وأكد في ذات الوقت وجود 30 فرداً من عائلة ابن علي في المطار يستعدون لمغادرة البلاد.

وقال الترهوني إنه تأكد حينها من أن ابن علي «أصبح رئيساً للطرابلسية وليس رئيساً للشعب التونسي»، على حد وصفه.

وأشار إلى أنه طلب في ذلك الوقت من زوجته التي تعمل ببرج المراقبة وزميله العوني «تعطيل مغادرة عائلة المخلوع للبلاد» إلى حين قدومه، مضيفاً إنه انطلق بمعية 12 فرداً من عناصر الفوج من ثكنة بوشوشة إلى مطار تونس قرطاج على متن سيارتين ليصلوا إليه في حدود الساعة الثالثة إلا ربعاً بعد الظهر مدججين بالسلاح، موضحاً أنه قام بتحييد عناصر أمن المطار وإخبارهم بأن لديه تعليمات بإلقاء القبض على عائلتي ابن علي وزوجته.

وقال الترهوني إنه وبالتعاون مع عناصر أمن المطار تم التعرف على عائلتي الرئيس المخلوع وزوجته في الحافلة التي كانت تقلهم من قاعة المغادرة إلى الطائرة، موضحاً أنه تم إيقافهم وإعادتهم إلى القاعة الشرفية، ثم القبض على منصف الطرابلسي الذي كان مختبئاً داخل أحد مكاتب المطار، قبل استدراج عماد الطرابلسي إلى المطار وإلقاء القبض عليه، ليصل بذلك مجموع الموقوفين إلى 28 فرداً.

وأشار إلى أنه سمح لسيرين بن علي، زوجة صخر الماطري، بالمغادرة على متن طائرة خاصة «لعدم وجود شبهة حولها»، على حد تعبيره.

وأضاف إنه تلقى عقب عملية الإيقاف اتصالاً هاتفياً من مدير الأمن الرئاسي علي السرياطي يطلب فيها منه «هوية من أعطاه التعليمات بالقبض على الموقوفين الذين يجب إطلاق سراحهم جميعاً». وبعد ذلك حل بالمطار جلال بودريقة المدير العام لقوات التدخل الذي «ألح بدوره على إطلاق سراح جميع الموقوفين»، إلا أن طلبه قوبل هو الآخر بالرفض.

وأشار المقدم الترهوني إلى أنه وزملاءه ابتهجوا كثيراً حين شاهدوا الطائرة الرئاسية تقلع من مطار العوينة في حدود الساعة السادسة إلا ربعاً مساء، مبيناً أنه تم عندها الاتفاق على تسليم عائلتي ابن علي والطرابلسي إلى المؤسسة العسكرية «باعتبارها المؤسسة الوحيدة التي تمتلك الشرعية في ذلك الوقت». وقال إنه أصر على إعلام الجنرال رشيد عمار بمجريات الأحداث.

 

وعقيد الأمن الرئاسي يروي تفاصيل ما بعد المغادرة

 

 

يروي العقيد سامي سيك سالم من الأمن الرئاسي، والذي قام بدور حاسم في إنجاح الثورة، تفاصيل ساعات ما بعد المغادرة، حيث كان أول من سعى إلى البحث عن الطريقة الأفضل لسد الشاغر الذي تركه فرار ابن علي وقطع الطريق أمام حصول انقلاب أمني أو عسكري. ويقول إنه اتصل برئيس المجلس الدستوري فتحي عبد الناظر ودعاه إلى المجيء إلى قصر قرطاج، غير أن عبد الناظر أغلق هاتفه النقال. ثم اتصل برئيس الوزراء محمد الغنوشي وأبلغه بفرار ابن علي، ثم برئيس مجلس النواب فؤاد المبزع وبرئيس مجلس المستشارين عبد الله القلال، الذين وصلوا تباعاً إلى القصر.

كما دعا سيك سالم مسؤول التصوير التلفزيوني بالرئاسة. وفي لحظة فارقة، طلب من المبزع تحمل مسؤوليته التاريخية، إلا أن المبزع حاول الاعتذار بسبب حالته الصحية. حينها، أعرب القلال عن استعداده لذلك، فرفض سيك سالم وطلب من الغنوشي تولي الرئاسة بالنيابة استناداً إلى الفصل 56 من الدستور، وهو ما حدث فعلاً وما تم تصويره تلفزيونياً وبث على القناة الرسمية في الساعة السابعة مساء بالتوقيت المحلي.

وفي تلك الأثناء، تلقى الغنوشي اتصالاً من ابن علي هدده فيها بالانتقام حال عودته إلى تونس في ظرف خمس ساعات. فكان موقف سيك سالم حاسماً، وهو أن ابن علي انتهى إلى الأبد، الأمر الذي أثار أكثر من سؤال حول الجهة التي استمد منها العقيد بالأمن الرئاسي كل هذه القوة لتغيير المشهد السياسي في البلاد والإعلان عن نهاية ابن علي.

وفي اليوم التالي اعتقل سيك سالم وأودع غرفة اعتقال انفرادية بقي فيها معتقلاً لمدة أسبوعين، اعتقد خلالها أن ابن علي عاد إلى تونس وقرر إعدامه، قبل أن يطلق سراحه. وفي ديسمبر الماضي، أقر الرئيس منصف المرزوقي تكليفه بمهمة مدير لأمنه الرئاسي.