تستقبل تونس بداية من اليوم السبت العام الثاني من عمر ثورتها، ومعه جملة من التحديات الكبرى التي ستحدد مستقبل البلاد. أولى هذه التحديات، التحدي الاقتصادي في ظل تراجع الاستثمارات الخارجية والداخلية، وارتفاع مستوى التضخم المالي ومستوى العجز في الميزان التجاري إلى حد غير مسبوق، إضافة إلى حالة الإحباط التي وصل إليها القطاع السياحي. ويشهد الوضع الاجتماعي ارتفاعاً في نسبة البطالة، حيث تجاوز عدد العاطلين عن العمل 800 ألف. كما لا تزال الاعتصامات والإضرابات متواصلة في مناطق وقطاعات كثيرة، الأمر الذي ترى فيه حركة النهضة الحاكمة خروجاً عن القانون ومحاولة لإفشال أهداف الثورة ولضرب مشروعها في حكم البلاد.
قواعد النهضة
ويرتفع سقف التحديات مع بروز بوادر استنجاد حركة النهضة بقواعدها وإنزالها إلى الشوارع. وظهر ذلك الاثنين الماضي في مواجهة الصحافيين المتظاهرين أمام قصر الحكومة ضد التعيينات في قطاع الإعلام، ثم الأربعاء الماضي عندما اجتمع أنصار الحركة الحاكمة أمام مبنى وزارة الداخلية لدعم الوزير علي العريض في مواجهة قرار سابق من قبل قوات التدخل بتنظيم وقفة احتجاجية. كما تحركت عناصر تابعة لحركة النهضة لفك عدد من الاعتصامات في سيدي بوزيد وقفصة ومناطق أخرى.
ويخشى مراقبون من حدوث تماس بين أنصار حركة النهضة وأنصار الأحزاب اليسارية الراديكالية، أو بين النهضويين والسلفيين، أو الإسلاميين والعلمانيين، أو بين أية أطراف متناقضة الرؤى والأهداف، عبر اعتماد الشارع لتصفية الحسابات السياسية والأيديولوجية، خصوصاً وأن حركة النهضة بدأت تعبر عن فقدانها الصبر أمام ما تراه من محاولات جرها إلى صراعات هامشية عبر الاستقطاب الأيديولوجي، بهدف إفقادها ثقة التونسيين الذين صوّتوا لها في 23 أكتوبر الماضي.
ومع ارتفاع نسبة الفقر التي بلغت 20 في المئة، تواجه الثورة خلال عامها الثاني ظهور تيارات راديكالية في المناطق المحرومة والمعزولة، بعضها تمثله الحركات السلفية، وبعضها الآخر تمثله حركات يسارية متطرفة، وهو ما يجعل المسؤولين يخافون من إمكانية الدفع بالبلاد إلى ثورة مضادة، عبر جرها إلى العنف، في وقت اختار أربعة ملايين تونسي من البالغين أن يبقوا على الحياد عندما رفضوا المشاركة في الانتخابات. وجزء كبير من هؤلاء من أنصار الحزب الحاكم السابق الذين يراقبون عملية الاجتثاث المعتمدة ضد كل من كانت له علاقة بنظام الحكم لمرحلة ما قبل 14 يناير 2011.
ويخشى المراقبون أن يتفكك التحالف الثلاثي الحاكم بسبب الضغوط الشعبية، وأن تعجز حركة النهضة عن التحكم في قواعدها، لتستمر في إصلاح الأخطاء عبر إنكارها مثلما حدث في حالة الاعتداء على الصحافي سفيان بن حميدة والنائب في «التأسيسي» محمد براهمي الأربعاء الماضي، أو بالاعتذار مثلما حدث عند استقبال رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية في مطار تونس قرطاج الدولي من رفع شعارات معادية لليهود.
ويجد قادة تونس الجدد أنفسهم أمام تحديات كبيرة منها عجزهم عن مواجهة مناوئيهم من العلمانيين واليساريين الساعين إلى جرهم لأخطاء يحسبها عليهم شركاؤهم الغربيون الذين يتابعون كل ما يدور في الساحة التونسية بمجهر دقيق، كما يعاني القادة الجدد من سعي أطراف المجتمع المدني إلى الهيمنة على بعض السلطات والتقليص من سلطات الحكومة، وخاصة في مجال الإعلام الذي خسرت حركة النهضة معركته كما عجزت عن كسب ود منظمات المجتمع المدني المتحالف في أغلبه ضدها.