في الذكرى الأولى لثورة 14 يناير، يتذكر التونسيون الكثير من خصوصيات تلك الحركة العفوية التي قادها الفقراء والمهمشون والعاطلون عن العمل وساهم الإعلام الفضائي والانترنت وصفحات التواصل الاجتماعي في دعمها، إلى أن نجحت في إسقاط نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. و لعل من أهم خصوصيات الثورة التونسية تنوع المفردات التي صاحبتها حتى اصبحت جزءاً منها. وهي مفردات كانت في أغلبها تلقائية، صدرت عن أشخاص عاديين لتتلقفها وسائل الاعلام وتجعل منها رموزا وشعارات لثورة 14 يناير ثم للربيع العربي الذي انطلقت تباشيره الأولى من تونس.
أنا فهمكتم
هذه الكلمة كانت الأشهر في خطاب بن علي الى الشعب التونسي في 13 يناير 2011 خلال كلمة عبر الإذاعة و التلفزيون، في حين كانت البلاد تعرف حالة من الغضب العارم بتواصل الاحتجاجات وفرض حظر التجول في العاصمة وعدد من المدن الاخرى. وكان بن علي في حالة نفسية صعبة وهو يقول للتونسيين: «أنا فهمتكم»، ما جعل الشارع يرد عليه بصوت واحد: «هل كنت تحتاج لـ 23 عاماً من العسف والقمع و الاضطهاد و الديكتاتورية لتفهمنا؟».
ورأى بعض المراقبين أن تلك الكلمة حكمت على نظام بن علي بالانهيار. فالشعوب تنتصر على جلاديها إذا رأت فيهم حالة من الضعف والتردد والخوف، وذلك ما حدث مع بن علي عندما قال الكلمة التي انتشرت في كل مكان وأصبحت مصدر تندر وفكاهة.
ارحل.. «ديغاج»
«ديغاج».. هي كلمة باللغة الفرنسية تعني «ارحل». ورفع المحتجون التونسيون شعار «ديغاج» في مسيراتهم الغاضبة وكتبوه على اللافتات والجدران حتى أصبح رمزاً للثورة التونسية. وبعد أن رحل بن علي، لم يتخل التونسيون عن كلمة «ديغاج»، وانما جعلوه جزءا من حياتهم اليومية، يقولها الطالب لاستاذه، والموظف لمديره، والمواطن للمسؤول الحكومي، وحتى الجمهور العادي لفنان لم يطربه أو للاعب كرة قدم لم يعجبه اداؤه في الميدان.
بن علي هرب
وبعد الاعلان عن فرار بن علي، أطلق المحامي التونسي والمناضل الحقوقي عبد الناصر العويني كلمته الشهيرة: «بن علي هرب».
ويقول العويني مستذكرا تلك اللحظات: «بعد عشر دقائق من الاعلان عن انتقال السلطة في تونس، وعندما تأكدت من أن الديكتاتور هرب بدون رجعة، لم أتمالك نفسي وقررت أن احتفل بهذه المناسبة في الهواء الطلق.
حيث خرجت إلى شارع الحبيب بورقيبة في الساعة السابعة و10 دقائق مساء، رغم أن حظر التجوال كان سارياً، ووجهت تحية إلى الشعب التونسي العظيم»، مضيفاً القول: «كان البعض يتطلع اليّ من الابنية المجاورة، وكان رجال الأمن والجيش الموجودون في الشارع لا يعلمون بالتطورات الحاصلة فأبلغتهم بخبر فرار الديكتاتور».
ويردف: «صرخت لمدة 40 دقيقة وكأنني أريد لكل العالم أن يستمع ألى صوتي كمواطن تونسي عرف القهر والقمع، ولكنني لم أكن أعرف أن هناك من كان يقوم بتصوير ذلك المشهد الذي تناقلته مواقع الانترنت والقنوات الفضائية، ثم عرفت فيما بعد أن هناك شخصين قاما بتصوير صرختي:
«بن علي هرب». ويضيف: «هناك شخص صورني و هو يشاهدني من نافذة شقته و لكنه لم يتمالك نفسه فقرر أن يلتحق بي في الشارع ليصورني عن قرب، كما كانت هناك طالبات علقن في إحدى العمارات بسبب حظر التجوال وقمن بتصويري عبر الهاتف الجوال، و أنا لم أكن على علم بذلك إلى أن تعرفت عليهن عن طريق صحافي جزائري».
هرمنا.. هرمنا
من اهم ما سجلته الذاكرة الشعبية للثورة التونسية و الربيع العر بي تلك الجملة التي صرّح بها احمد الحفناوي الفرشيشي: «هرمنا.. هرمنا.. من أجل هذه اللحظة التاريخية».
ويقول الحفناوي مستذكرا: «بعد الإعلان عن فرار بن علي، و بينما كنت مع المعتصمين أمام وزارة الداخلية في شارع الحبيب بورقيبة، وجدت نفسي أمام كاميرا التلفزيون لأعبر عن موقفي فانسابت مني الكلمات بتلقائية. نعم لقد هرمنا، وعشنا 23 عاما من القمع والاضطهاد والظلم والترويع، ولم يكن أي منا قادرا على التعبير عما يجيش في خاطره، إلى أن جاءت ثورة الكرامة التي أعادت إلينا الأمل المفقود، فتحررنا من القيود ورفعنا أصواتنا تعبيرا عن مشاعرنا الحقيقية».
ولا ينفي الحفناوي انتماءه الى حركة النهضة، حيث يتذكر ما حدث العام 1992 عندما قام بن علي باعتقال أكثر من 35 ألفا من الاسلاميين بالقول: «لقد كان أخي من بينهم، وحكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً، أما انا فاخترت الفرار من جحيم الديكتاتورية وسافرت إلى السعودية العام 1993 حيث أقمت هناك لمدة من الزمن قبل أن أعود إلى تونس».
و يضيف: «اليوم تحررت إرادة التونسيين، وعلى الشباب الذي صنع الثورة أن يدرك أننا هرمنا فعلاً من أجل الوصول إلى هذه اللحظة التاريخية».
«أنا حرة»
أنا حرة هو مطلع اغنية للفنانة التونسية المقيمة بباريس آمال المثلوثي التي صدحت في تجمع الثوار يوم 14 يناير، وهي تعزف على قيثارتها تحت ضوء الشموع.
وتقول آمال: «أنا فنانة متمردة بطبعي وثائرة، تربيت على عشق الحرية التي كانت تونس تفتقد إليها قبل الثورة. وعندما أعلن الشعب ثورته، وجدت نفسي أشارك فيها بصوتي وصرختي وعزفي وغنائي. فالثورة أمل وحب وتطلع إلى الأجمل، و لذلك غنيت على لسان تونس: أنا أحرار لا يخافوا، أنا أسرار لا يموتوا، أنا صوت الذي لم يرضخوا، أنا وسط الفوضى معنى، أنا حق المظلومين، أنا حرة وكلمتي حرة، أنا حرة وكلمتي حرة».
وتضيف آمال: «لقد كان أدائي تلقائياً ولم أكن أعتقد أن الكلمات ستصل بكل هذه القوة إلى الشعب التونسي الذي انتصر على جلاديه وأعطى درساً لكل العالم في الانتفاض على الظلم، و قاد مسيرة الربيع العربي». وتختتم قائلة: «من حق بلادي اليوم أن تقول بصوت عال: أنا حرة، أنا أعيش الحرية التي دفعت من أجلها الثمن وضحيت في سبيلها بدماء ابنائي».
اذا الشعب
ومن ابرز ما تردد على ألسنة التونسيين في العام 2011 البيت الشعري الشهير من قصيدة «إرادة الحياة» لشاعر تونس الأكبر خلال القرن العشرين، أبي القاسم الشابي الذي عاش بين عامي 1909 و1934، حيث ردد التونسيون في مسيراتهم وتظاهراتهم واعتصاماتهم: اذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.. ولا بد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر.
