قد لا يعرف كثيرون أن الرئيس التونسي الجديد منصف المرزوقي كان قومياً عربياً يكره الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ويؤيد الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ويتمنى الالتحاق بالمقاومة. وأنه قضى أعواماً من صباه في المملكة المغربية، التي له اليوم فيها أخوة غير أشقاء أنجبهم والده من زوجته الثانية المغربية. ويروي المرزوقي شريط الأحداث فيقول: «في المدرسة الصادقية في تونس أسست أول حركة سياسية تناضل ضد البورقيبية، التي أصبحت مقاومتها مسألة ثأر شخصي. وكانت الحركة تتكون مني أنا الزعيم الأوحد، ومن طفلين في الثالثة عشرة من العمر مثلي».

ويستطرد: «كانت حركتي متطرفة، منتصرة للاتحاد السوفييتي ضد الولايات المتحدة، تنادي بالوحدة العربية التامة والشاملة والفورية، وترفض باشمئزاز شديد فكرة الأمة التونسية، التي كان بورقيبة يحاول ترسيخها في أذهان التونسيين، ولا تقبل بفكرة وحدة المغرب العربي، إلا كخطوة أولى نحو الوحدة العربية الشاملة، وتخطط لغزو إسرائيل ومحوا بالقنابل الذرية، وتتبادل كل يوم أخبار صوت العرب من القارة.

وتدرس ظروف التسلل إلى الجزائر للمشاركة في الثورة وقهر الاستعمار والإمبريالية، وتسمي بورقيبة باسمه وبأسماء قبيحة.. أما لقب سيادة الرئيس فكان يعني آلياً بطل العروبة جمال عبدالناصر لا غير». ويضيف الرئيس التونسي الحالي: «ولكن للأسف الشديد فإن هذه الحركة الواعدة لم تلبث أن دخلت في انقسامات وصراعات داخلية عصفت با، حيث لم تنقسم بسبب الأفكار والمبادئ، وإنما.

كما هو الأمر عادة، انقسمت بسبب مسألة الزعامة، حيث آثر الزميل الأول الانسحاب من المعركة ليتفرغ للتفكير الفلسفي الذي لم يغادره منذ ذلك اليوم، وبقيت المعركة على أشدها بيني وبين الزميل الثاني الذي انهزم سريعاً، ثم انضم بعد ذلك إلى الحزب الدستوري الحاكم، وهكذا بقيت زعيماً من دون منافس في حزب من دون اتباع وأنصار».

ميول ناصرية

وورث المرزوقي الميول الناصرية من والده، الذي كان مقاوماً للاستعمار ثم كان من زعماء التيار العروبي في حركة الزعيم صالح بن يوسف، الذي انشق عن تيار الحبيب بورقيبة العام 1955، ما أدى إلى دخول تونس في تلك الفترة حرباً تسببت في سقوط المئات من التونسيين بين قتيل وجريح، بعد محاكمات سياسية كانت الأولى من نوعها في تونس المستقلة.

وفي حين سافر والد المرزوقي إلى المغرب فراراً من انتقام بورقيبة، غادر بن يوسف تونس متخفياً واتجه إلى مصر، حيث نزل في ضيافة حكومة القاهرة.. وفي صيف 1961، قام تونسيان من أنصاره المتعصبين باغتيال بن يوسف في ألمانيا.

 

إلى المغرب

ويقول المرزوقي: «في السادسة عشرة من عمري، انتهت فترة الدراسة بالصادقية عندما قرر والدي المقيم بالمغرب أن الأوان آن لتلتحق به كل الأسرة». ويردف: «لقد فقد كل وهم بعد اغتيال بن يوسف بشأن العودة إلى تونس مظفراً ومنتقماً، فغادرنا تونس بفرح وفي القلب لوعة لا تقبل المواساة». ويستطرد: «كان الفرح ناجماً عن خلاصنا من وضع أصبح غير قابل للتحمل.

فقد كانت دارنا تعرف بدار الخائن، وكان والدي الذي قدم كل شبابه لاستقلال الوطن، منعوتاً بالخيانة في أحاديث الناس. وكان الفقر المدقع الذي كنا نعيش فيه جزءاً من كابوس دام أعواماً، أما اللوعة فكانت تتعلق بكل ما كنا نفقده بالهجرة مثل الأحباب والأهل وخاصة بالنسبة لي المدرسة التي لم تكن تفرق بين أبناء الخونة مثلي وأبناء الوطنيين الذين كان لبعضهم باع طويلة في العمل مع الاستعمار ثم أصبحوا أعيان البلاد غداة الاستقلال»، على حد وصفه.

 

ذكريات طنجة

ومن العام 1961 إلى العام 1964، يردف المرزوقي في شهادته: «عشت مع الأسرة المهاجرة في مدينة طنجة في جو جديد علينا يتميز باليسر المادي والأمان النفسي، وتعلمت طيلة هذه الأعوام حب المغرب والمغاربة، حيث استضاف أبي المضطهد، وفتح لأسرتي المشردة أبوابه واسعة، فغرفنا من كرمه ومن حسن وفادته، وهو إلى يوم يبعثون بلدي الثاني، في حين انه البلد الأول لأخوتي الذين ولدوا من أم مغربية وعاشوا فيه دون انقطاع».