ما إن أعلنت تشكيلة الحكومة التونسية، حتى دخلت الدول الأوروبية والولايات المتحدة ماراثوناً دبلوماسياً كبيراً لتطوير العلاقات الثنائية مع حكام تونس الجدد، حيث تستضيف تونس منذ الأمس وحتى نهاية الأسبوع المقبل أربعة وفود أوروبية رفيعة المستوى، في وقت تحاول الولايات المتحدة الأميركية التنافس مع أوروبا لاحتواء التحولات الجديدة في تونس، عبر الاقتراب أكثر من القادة الجدد، وخاصة الاسلاميين منهم، من خلال اتصال الرئيس الأميركي باراك أوباما برئيس الحكومة التونسية حمادي الجبالي، وتعيين سفير جديد لها في تونس، ويبدو أن كفة الميزان في هذا الماراثون الأورو ـ أميركي تميل لصالح واشنطن.
وحطّ وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه أمس رحاله في تونس، في زيارة لتحريك العلاقات الجامدة بين البلدين منذ اندلاع الثورة التي أطاحت بابن علي، في حين يبدأ وزير الشؤون الخارجية الإيطالي جيوليو تارزي دي سانت أغاتا زيارة رسمية إلى تونس بداية من اليوم الجمعة.
وأوضح بيان صدر عن وزارة الخارجية التونسية أنه و«فضلاً عن القضايا الثنائية وملف الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ينتظر أن تتناول المحادثات بين الوزير الإيطالي ونظيره التونسي رفيق عبد السلام تطورات الأوضاع في المنطقة الأورو ـ متوسطية، والاجتماع الوزاري لبلدان الحوار 5 زائد 5 واجتماع المنتدى المتوسطي فوروماد اللذين سينعقدان بنابولي تحت الرئاسة المشتركة لتونس وإيطاليا».
كما يقوم وزير الشؤون الخارجية الألماني غيدو وستروال برفقة وفد رفيع المستوى من رجال الأعمال، زيارة إلى تونس يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين. وتندرج هذه الزيارة الثانية للوزير الألماني لتونس منذ ثورة 14 يناير، في إطار علاقات الصداقة والتعاون للشراكة الاستراتيجية الجديدة بين البلدين، وفق ما جاء في بيان صحافي لوزارة الشؤون الخارجية.
انتقال ديمقراطي
إلى ذلك، أكد رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر خلال لقاء جمعه الأربعاء بوفد برلماني سويسري، برئاسة فالي ليفنبرغر رئيس لجنة المؤسسات بالبرلمان الفيدرالي، أن تونس الجديدة «تؤمن أفضل السبل للانتقال الديمقراطي، رغم التحديات التي تواجهها المؤسسات الشرعية المنتخبة، وخاصة منها الأمن والاستقرار والبطالة والفوارق الجهوية».
وشدد بن جعفر على أن يكون دستور تونس الذي سيكتبه نواب الشعب، دستوراً «يعكس قيم الاعتدال والوسطية وحقوق الإنسان والمساواة في الحقوق، ويؤسس لنظام سياسي يوازن بين السلطات ويقطع مع الاستبداد والدكتاتورية، ويستجيب لأهداف الثورة وطموحات التونسيين».
غزل دبلوماسي
وفي الضفة الأخرى من الأطلسي، تسعى واشنطن إلى الاقتراب بصورة أكبر من القيادة التونسية الجديدة، وبشكل أدق زعماء حركة النهضة الإسلامية، الذين هيمنوا على حصة الأسد في الحكومة المشكلة حديثاً.
وكان اتصال الرئيس الأميركي باراك أوباما هاتفياً بحمادي الجبالي لتهنئته بتشكيله الحكومة الائتلافية، دليلاً على دعم واشنطن، ليس فقط لوصول الإسلاميين إلى السلطة، وإنما لشكل النظام السياسي الذي اختاروه، وهو النظام البرلماني، حيث أوضحت المكالمة أن أوباما أراد أن يخاطب الجبالي بصفته رأس الحكم الجديد في البلاد، في حين اتصلت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون برئيس الدولة المنصف المرزوقي، الذي يكاد منصبه أن يكون «شرفياً»، بعد أن تضاءلت مسؤولياته أمام اتساع مسؤوليات رئيس الحكومة حسب الدستور المؤٍقت، الذي صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي يوم 10 ديسمبر الماضي، ولا شك أن في اتصال أوباما بالجبالي ووزيرة خارجيته بالرئيس المرزوقي دليل على أن واشنطن تعتبر أن «الحكم آل فعلاً لحركة النهضة الإسلامية»، وأنها ستتعامل مع هذا المعطى مستقبلاً.
الفلك الأميركي
ويبدو لمن يتابع المشهد التونسي أن البلاد تسير نحو الفلك الأميركي، بدعم من أصدقاء مشتركين لتونس وواشنطن، وفي إطار إدراك الإسلاميين التونسيين لمسألة مهمة، وهي أن الطرف الأميركي لا يملي أية شروط في المسألة الثقافية، عكس الطرف الفرنسي الذي ينزعج لموضوع الهوية الأصلية لمستعمراته القديمة، ولا يقبل بتهميش لغته أو استبعاد أنصاره التقليديين من الحكم.
وفي إطار رغبة الولايات المتحدة الأميركية في تطوير علاقاتها بتونس، قرر الرئيس باراك أوباما تعيين سفير جديد لبلاده في تونس، هو نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، الدبلوماسي المخضرم جاكوب واليس.
