مع اقتراب نهاية أول انتخابات برلمانية من بعد سقوط نظام الرئيس السابق حسني مبارك تصاعد السجال مجدداً في مصر حول وضع الجيش في الدستور الجديد الذي سيتم الإعداد له فور الانتهاء من هذه الانتخابات رغم أن المتتبع لمجريات الأحداث في هذا البلد سرعان ما يلاحظ نوعا من التغير في موقف الإسلاميين حيال صلاحيات الجيش في الدستور المقبل بعدما تيقنوا من أن الصدام مع الجيش سيربك حساباتهم.

في الواقع الصراع بين الإسلاميين والجيش هي معركة سياسية اشتعلت من قبل عقب طرح وثيقة المبادئ فوق الدستورية التي عرفت إعلاميًا باسم «وثيقة السلمي» للنقاش، خاصة فيما يتعلق بالمادتين 9و10 منها اللتين تمنحان الجيش ميزات خاصة اعتبرها البعض بأنها تجعل الجيش دولة داخل الدولة.

وأثارت تلك الوثيقة آنذاك، غضب القوى السياسية المختلفة وبالأخص التيارات الإسلامية نتج عنها صدام قوي وسلسلة من الاحتجاجات قادتها التيارات الإسلامية التي خرجت عن بكرة أبيها في مليونية حاشدة حملت شعار مليونية «المطلب الوحيد» أو «تسليم السلطة» في جمعة 18 نوفمبر2011؛ لتعبر عن رفضها لتلك المبادئ فوق الدستورية، وعدم قبولها أن يكون للمؤسسة العسكرية وضع خاص داخل الدستور الدائم.

وأعقبها سلسلة من الاحتجاجات والاضطرابات بين الشرطة العسكرية وقوات الشرطة من جهة والمتظاهرين من جهة أخرى سواء أحداث «محمد محمود» أو «مجلس الوزراء» التي خلفت مئات القتلى وآلاف المصابين. ومجددًا طفت إلى السطح إشكالية وضع الجيش في الدستور مع قرب انتهاء الانتخابات البرلمانية، إلا أنها اتخذت هذه المرة منعطفًا جديدًا.

 

قواعد جديدة

ويبدو وفق تحليلات عدد من المراقبين، أن الجانبين: العسكر والإسلاميين تعلموا الدرس جيدًا، وأدركوا أن الصدام بين الطرفين يعني الخسارة الكبرى. وهو ما دفع الطرفين إلى تغيير قواعد اللعبة بعدما بات الإسلاميون تحت «مظلة شرعية» باعتبارهم أصحاب البرلمان، في الوقت الذي ازدادت فيه الضغوط الداخلية والخارجية على المجلس العسكري وتعالت الأصوات المنددة ضد سياساته، وأصبح الترحيب به كقائد للمرحلة الانتقالية أقل حماسًا، ما جعل «العسكري» يأخذ الخطوة الأولى للوصول إلى نقاط مشتركة مع الإسلاميين.

وهو ما ظهر ذلك جليًا في تصريحات أعضاء المجلس الاستشاري الذي يعد ظلاً للمجلس العسكري وهي التصريحات التي تؤكد أن البرلمان المقبل هو المنوط بانتخاب اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور، تلك الإشكالية القانونية التي حارب من أجلها الإسلاميون والتي قدمها المجلس الاستشاري على طبق من فضة في محاولة لامتصاص غضب جماعة الإخوان المسلمين تحديدًا والتي انسحبت من المجلس الاستشاري ظنًا منها أنه مشكل خصيصًا ليكون مسؤولاً عن تأسيس لجنة صياغة الدستور.

وعلى حد قول المثل الشعبي المصري فقد «قدم العسكري السبت» لتقريب وجهات النظر والابتعاد عن سيناريو الصدام بين الجيش الذي يعتبر نفسه العمود الفقري لمصر منذ العام 1952 وبين الإسلاميين الصاعدين الجدد والمتصدرين للمشهد السياسي بلا جدال وعلى الإسلاميين «تقديم الأحد».