تحل الذكرى الأولى لثورة 14 يناير في تونس بعد أيام في ظل قيادة جديدة، كان أغلب أفرادها من المساجين والمنفيين والملاحقين أمنياً، في ظل شعارات مختلفة عما كان سائداً قبل عام، وسط عدد من الأزمات لا تزال تربك قادة تونس الجدد في قطاعات عدة، منها: الإعلامي والاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب عدد من القضايا العالقة منذ نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وانتشار الأحزاب من دون قواعد.

وبعد أن أصبح الإسلاميون في الحكم، ولم يعد الحجاب يمثل أية مشكلة في الشارع، بل وانتشر النقاب، وطالت اللحى، واتسعت ظاهرة ارتداء الجلابيب الأفغانية، ورفعت الجماعات السلفية أصواتها عالياً، وبدأت تمارس من حين إلى آخر بعض العمليات الخاطفة من أجل امتحان تقبل الشعب لما يقومون به، وخاصة في ملاحقة النساء والفتيات غير المحجبات أو الاعتداء على بعض الفنانين والمفكرين المنتمين إلى التيارات العلمانية واليسارية.

وفي حين أصبحت الاعتصامات والتظاهرات والمسيرات حالة شبه طبيعية في البلاد، تتواصل ظاهرة الاستقطاب الأيديولوجي بين أطراف سياسية متناحرة، رغم الهزيمة الكبيرة التي منيت بها الأحزاب اليسارية والقومية أمام الصعود البارز لحزب حركة النهضة الإسلامية وحليفيْها: المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات. وعلى صعيد الأحزاب السياسية لوحظ ارتفاع كبير في عدد الأحزاب، إذ يتجاوز عددها 114، رغم أن المراقبين يرون أن أغلبها يتجه نحو التفكك والانحلال، نظراً لفقدانها القاعدة الشعبية والإمكانيات المادية والمعنوية والبرامج التي تميزها عن غيرها، فيما تتجه الأحزاب اليسارية إلى التوحد في إطار ائتلافي من أجل الانطلاق في مرحلة جديدة، بعد أن ثبت فشلها خلال انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر الماضي، كما يتم الإعداد لتكتل من الأحزاب الوسطية و«الحداثية» و«البورقيبية» و «الدستورية»، نسبة إلى الحزب الحر الدستوري السابق لمواجهة الإسلاميين خلال الانتخابات المقبلة والدفاع عن النموذج الحداثي البورقيبي، الذي عرفت به تونس منذ استقلالها في العام 1956.

انفلات إعلامي

في هذه الأجواء، تشهد تونس حالة من الانفلات الإعلامي، بعد أن أصبحت تشهد صدور 10 صحف يومية، وأكثر من 60 أسبوعية، رغم أن آخر الإحصائيات تؤكد أن عدد قراء الصحف من التونسيين لا يتجاوز 700 ألف قارئ.

العدو المرئي والمسموع

أما الإعلام المرئي والمسموع، فتمرّد على الدولة، ما أثار الكثير من الانتقادات من قبل زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيس الحكومة حمادي الجبالي وعدد آخر من الإسلاميين، الذين لاحظوا سيطرة التيارات اليسارية والمرتبطة بالنظام السابق على الصوت والصورة، فالإعلام التونسي اليوم في أغلبه يمارس مهامه وكأنه العدو المعلن، الذي لا هدف له إلاّ إفشال مشروع حركة النهضة في الحكم.

ومع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من 800 ألف، وتراجع مستوى النمو إلى ما دون الصفر، يواجه التونسيون تحديات اقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة، في حين تسعى القيادة الجديدة إلى تهديد المعتصمين والمتظاهرين بالملاحقة الأمنية والقضائية، واعتبارهم خارجين عن القانون.

ولاتزال تونس تعاني من عدم الشفافية في طرح المشاكل الحقيقية، ومن تحميل النظام السابق كل السلبيات الاجتماعية ذات الجذور التاريخية الضاربة في القدم، والمرتبطة أساساً بالاختلاف الثقافي والاجتماعي بين المناطق الساحلية والأخرى الداخلية.

تفشي الفساد

أما عن الفساد والرشوة فإنهما لايزالان متفشيين في البلاد، بسبب ضعف الرواتب وغلاء الأسعار وعجز الموظف عن توفير متطلبات الحياة الكريمة، خصوصاً إذا كان يعول أسرة وأبناء.

وتكفي الإشارة إلى أن معدل راتب رجل الأمن العادي لا يتجاوز 600 دينار (نحو 400 دولار)، في حين لايقل معدل إيجار شقة ذات غرفتين داخل العاصمة عن 500 دينار، ما دفع بالمسؤولين الجدد إلى الحديث عن ضرورة الرفع من رواتب القضاة ورجال الأمن لتحقيق الإصلاحات المنتظرة في القطاعين الأمني والقضائي.