يبدو واضحاً أن الخريطة السياسية في مصر ستتغير رأساً على عقب في المرحلة المقبلة بعد أن أفرزت نتائج انتخابات مجلس الشعب فوزا ساحقا للإسلاميين سواء حزب الحرية والعدالة، الذي يمثل الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، أو حزب النور (السلفي) بمصر باستحواذهما على 72 في المئة من المقاعد في المرحلتين الأولى والثانية، مع توقعات باستمرار ذلك الصعود في الجولة الأخيرة للانتخابات، وهى النتائج التي تفرض نفسها بقوة على المشهد السياسي المصري وتطرح العديد من التساؤلات حول شكل الحكومة الإسلامية المقبلة وطبيعة علاقاتها مع الداخل بتنوع أحزابه والخارج المصري إقليميا وعالميًا، وكذلك احتمالات النزاع مع المؤسسة العسكرية بخصوص نظام الحكم.

وتنتظر مصر بعد انتهاء الجولة الثالثة من الانتخابات البرلمانية إجراء انتخابات مجلس الشورى التي ستتم على مرحلتين فقط بدلاً من ثلاث، وذلك بعد ضغوط القوى السياسية على المجلس العسكري لتسريع الانتخابات، حيث تبدأ أول مرحلة 14 فبراير ثم جولة الإعادة ليتم دعوة مجلس الشورى بعد ذلك للانعقاد في 28 فبراير المقبل.

وربما لا يمثل مجلس الشورى أهمية كبرى عند المصريين مقارنة بمجلس الشعب، فطالما كان إقبال الناخبين عليه أقل حماسًا، كما أنه لن يقدم جديدًا في الخريطة الانتخابية المصرية، حيث ستجرى الانتخابات بنظام الثلثين للقائمة والثلث للفردي على الرغم من اتساع الدوائر، نظرًا إلى قلة عدد مقاعده، مما يعطي فرصًا أكبر للإسلاميين ذوي التنظيم الأكبر في اكتساح المقاعد.

ويرى مراقبون أن مجلس الشعب الجديد الذي يسيطر عليه الإسلاميون سيكون هو المنوط به تحديد شكل الحياة السياسية في مصر خلال الفترة المقبلة، في ظل عدم وجود صلاحيات حقيقية لمجلس الشورى وخاصة بعد إلغاء الصلاحيات الممنوحة له في التعديلات الدستورية عام 2007 بحكم الإعلان الدستوري القائم بالفعل.

بوادر صراع

في غضون ذلك، توقع المراقبون تزامناً مع انتهاء انتخابات مجلس الشعب بدء العديد من الإشكالات التي تنذر بصراع القوى الإسلامية المسيطرة على البرلمان مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومن بين هذه الإشكالات إصرار المجلس العسكري على الاحتفاظ بصلاحياته وعدم التدخل في شؤونه الخاصة، حيث يؤمن قادة الجيش في مصر بأنهم حكموا لستة عقود، ومن الصعب التنازل عن هيمنتهم على مقاليد الأمور بسهولة حتى ولو كان المنافس يمتلك حنكة سياسية وقاعدة شعبية عريضة مثل جماعة الإخوان المسلمين.

بالإضافة إلى ذلك، يتفق المراقبون على أن نتائج الانتخابات البرلمانية تجعل من مصر أمام تغير تاريخي وجذري في خريطة العمل السياسي والحزبي خلال العقود المقبلة، وأوضحوا أن سيطرة الإسلاميين على البرلمان من شأنها أن تفرض تحديات داخلية وخارجية وتجعل السلطة المقبلة مضطرة إلى السير عبر حقول ألغام ومحاور سياسية شديدة الحساسية إقليمية ودولية، مثل ملف العلاقات مع إسرائيل والاتفاقيات الدولية إلى جانب التعقيدات الداخلية.

في هذا الإطار أكد المحلل السياسي صلاح عيسى في تصريحات لـ «البيان» أن استحواذ الإسلاميين على غالبية مقاعد البرلمان المقبل لا يعني بالضرورة وجود حكومة إسلامية، فطبقًا للإعلان الدستوري الذي تدار به شؤون البلاد والمقتبس من دستور 1971، فإن السلطة التنفيذية في يد الرئيس والذي يمثله المجلس العسكري، مما يعني أن أغلبية البرلمان لا شأن لها باختيار الحكومة ويقتصر دورها على مراقبتها فقط.

وأضاف عيسى أن إشكالية الحكومة الإسلامية ربما تطفو على سطح المشهد السياسي بعد صياغة الدستور الدائم، إلا أنه يعتقد أن التيارات الإسلامية المصرية لن تسعى إلى الدخول في صدام مباشر سواء مع المجلس العسكري أو باقي القوى السياسية الأخرى داخل مصر، مما يعني أن الحكومة الائتلافية ذات الإجماع الوطني هي الحل السحري التي ستطرحه القوى الإسلامية.