تحدى مئات آلاف المحتجين في سوريا أمس قوات الأمن والجيش وخرجوا في تظاهرات ضخمة استعرضوا خلالها قوة حركتهم الاحتجاجية في جمعة «الزحف إلى ساحات الحرية» منهم 250 ألفاً في محافظة إدلب وسط استمرار سقوط القتلى برصاص الأمن حيث قتل ما لا يقل عن 32 متظاهراً بالتزامن مع انتشار بعثة المراقبين العرب في عدة مدن مضطربة في وقت أعادت جامعة الدول العربية تفسير تصريحات رئيس بعثة المراقبين محمد الدابي حول «الأوضاع المطمئنة» في مدينة حمص، مؤكدةً أنه كان يقصد فيها «التزام الحكومة السورية تجاه البعثة وليس ما يجري على الأرض».
وأفادت لجان التنسيق المحلية للثورة السورية بمقتل 32 متظاهراً برصاص الأمن خلال «جمعة الزحف إلى ساحات الحرية». وسقط تسعة من هؤلاء القتلى في محافظة حماة
وقتيل في كل من داريا ومعضمية الشام بريف دمشق، وستة قتلى في درعا، وتسعة في حمص وستة في إدلب.
وتعد مظاهرات أمس واحداً من أكبر الاحتجاجات التي تشهدها سوريا خلال الانتفاضة الممتدة منذ تسعة أشهر ضد حكم الرئيس بشار الأسد. وقال نشطاء إنهم يريدون أن يظهروا لمراقبي جامعة الدول العربية مستوى الغضب الشعبي. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان: إن 250 ألف شخص على الأقل خرجوا إلى شوارع إدلب بعد صلاة الجمعة.
74 تجمعاً
وقال المرصد: إن «مظاهرات حاشدة خرجت في 74 تجمعاً كان أضخمها في مدينة إدلب وبنش وأريحا وسراقب ومعرة النعمان وخان شيخون وكفرومة وكفرنبل وعدة بلدات وقرى في ريف إدلب» التي يفترض أن يزورها مراقبو الجامعة العربية.
وقال نشطاء في إدلب: إن الجيش أبعد مدرعاته. وقال منهل من لجان التنسيق المحلية: «حركت قوات الأمن بعض دباباتها بعيداً عن شوارع الأحياء وانتقل بعض أفرادها إلى مخابئ». وأظهرت لقطات فيديو بثها ناشطون على الإنترنت أعضاء في بعثة المراقبين بين حشود كبيرة من المتظاهرين في إدلب.
قنابل مسمارية
وذكر نشطاء في حماة وضاحية دوما بدمشق أن عشرات الآلاف شاركوا في الاحتجاجات. وقال المرصد السوري: إن اشتباكات عنيفة دارت بين الأمن ومنشقين عن الجيش في مدينة دوما. وأضاف: إن «24 مواطناً على الأقل أصيبوا بجروح إثر استخدام قوات الأمن السورية القنابل المسمارية لتفريق عشرات آلاف المتظاهرين في المدينة».
وشهدت ساحة الجسر في الزبداني بريف دمشق اعتصاماً للأهالي بعد تسرب إشاعات عن زيارة محتملة للجنة العربية التي لم تصل أيضاً.
وفي دمشق اعتقلت قوات الأمن أكثر من 10 أشخاص عقب مشاركتهم في تظاهرة سلمية في حي كفر سوسة، منهم طلاب من كلية الطب في جامعة دمشق والممثل أحمد لبابيدي. فيما سُمع إطلاق نار كثيف على المتظاهرين خارج مسجد الحسن البصري بحي القدم بدمشق. أما في درعا، فقُطع التيار الكهربائي عن أغلب بلداتها وسط نقص حاد في الوقود والمواد التموينية.
تضليل المتظاهرين
وفي دير الزور أفاد اتحاد تنسيقيات الثورة السورية بأنه سُمع دوّي انفجارات ضخمة وإطلاق نار كثيف في حي الجورة بعد تظاهرات ضخمة. واتهم ناشطون في اللاذقية قوات الأمن بتضليل السكان من خلال استخدام سيارات تحمل شعار الجامعة العربية أمام فندق ريفيرا بغية القيام باعتقال من يقابل اللجنة.
وقال ناشطون تم الاتصال بهم عبر الهاتف إنه ليس لديهم أمل كبير أن يحميهم المراقبون العرب. وقال ناشط في حماة لم يرغب في ذكر اسمه: «نعلم أن وجودهم هنا لا يعني أن إراقة الدماء ستتوقف. لكنهم سيرون على الأقل».
تراجع الجامعة
في الأثناء، أوضحت الجامعة العربية أن تصريحات رئيس بعثة مراقبي الجامعة العربية الفريق أول محمد الدابي حول «اطمئنان الوضع في سوريا» كان يقصد فيها «التزام الحكومة السورية تجاه البعثة وليس ما يجري على الأرض». جاء ذلك على لسان رئيس غرفة العمليات الخاصة بعمل بعثة مراقبي الجامعة العربية إلى سوريا السفير عدنان الخضير رداً على وصف المعارضة السورية للتطمينات التي يتحدث عنها الدابي بأنها «تتعارض مع الواقع».
حمص .. مدينة تحت رحمة القناصة
تعتبر مدينة حمص السورية إحدى أهم معاقل الثورة ضد نظام الرئيس بشار الأسد منذ عدة اشهر. ومؤخرا تحرك الكثير من الجنود المنشقين في المدينة، بينما يزيد النظام من حصاره للأحياء التي تسيطر عليها المعارضة.
وذكر تقرير لموقع «سي إن إن العربية» أن مصوراً صحافياً، لن يتم الكشف عن هويته حفاظا على سلامته، تمكن من الدخول إلى المدينة، ليقدم جانبا جديدا من حمص، التي تعيش تحت رحمة القناصة في الأيام الحالية. فبين جدران المدينة التي امتلأت بآثار الرصاص والقنص المستمر، تابع المصور قناصة النظام وهم يستهدفون السكان بشكل عشوائي، من فوق أسطح المباني، ويختارون أوقاتا محددة معظمها يتركز ما بين الساعة الرابعة عصرا والثامنة صباح اليوم التالي، ليكون بمثابة حظر تجول «غير رسمي».
وتحدث المصور إلى إحدى السيدات، التي أصيبت ابنتها الحامل في شهرها السابع بطلقة في الرأس بينما كانت تهم بالخروج إلى الشارع لشراء بعض الحاجيات. واستمر القناصة بإطلاق الرصاص فيما كان أقرباؤها يحاولون إعادة جثتها إلى منزل والدتها. ولتصوير ما يحدث، كان على المصور تعريض حياته للخطر عبر السير في شوارع حمص، التي يصل عدد سكانها إلى نحو مليون ونسمة.
وتعتبر ثالث أكبر المدن السورية. وأضاف المصور: «كان علي السير لأكثر من مرة في طرقات استهدف فيها مدنيون، كما كان علي التواجد في أماكن قتل فيها أشخاص قبل دقائق من وصولي، وكنت عند سيري في الشارع، أشعر أن هناك من يراقبني وينتظر اللحظة الملائمة لاستهدافي».
ويصف سكان المدينة معاناتهم اليومية في الحصول على احتياجاتهم الأساسية، واضطرار بعضهم لرمي الخبز وأغراض أخرى للقاطنين على الطرف المقابل من الشارع لعدم مقدرتهم على الوصول إلى بقالة قريبة للتبضع. ويرى المصور أن المتظاهرين وصلوا إلى نقطة اللاعودة، فالكثير منهم قتل، وبقية المتظاهرين يؤكدون أن الموت بانتظارهم عاجلا أم آجلا. وتعتبر مشاهدات هذا الصحافي واحدة من الشهادات النادرة حول الوضع في المدينة من الداخل.
