ودّع رئيس الحكومة التونسية السابق الباجي قايد السبسي قصر الحكومة بالقصبة من باب الكبير بعد أن تولى تسيير شؤون البلاد لمدة ثمانية شهور هي الفترة الانتقالية الأولى التي أخرجت تونس من حالة الفوضى العارمة والانفلات الأمني إلى انتخابات نزيهة نتج عنها تشكيل المجلس الوطني التأسيسي ثم الحكومة الائتلافية التي تسلمت مهامها رسمياً يوم الاثنين الماضي، لكن في نفس الوقت يستعد لإعلان حزب جديد باسم «الزيتونة» ليكون تجمعاً لأكثر من 40 حزباً قائماً تجمعهم «البورقيبية».

ولم ينس السبسي أن يشير في كلمته وهو يسلم مقاليد الحكومة لخلفه حمادي الجبالي أن يذكّر الحضور بما قاله رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي عندما علم أن الرئيس المؤقت فؤاد المبزع كلفه بمهمة رئيس الحكومة: «لقد جاؤوا به من الأرشيف.. نعم أنا فعلاً جئت من الأرشيف، وعملت في الحكومة زمن الباي (الملك محمد الأمين) لمدة 18 شهراً ، ثم عملت في حكومات دولة الاستقلال لأعوام طويلة».

 

حزب الزيتونة

ويستعد قايد السبسي للإعلان عن تأسيس حزبه الجديد والذي اختار له اسم «الزيتونة» وهو حزب ينهل من معين الحزب الدستوري والفكر البورقيبي. ويرى فيه البورقيبيون والدستوريون والوسطيون والحداثيون والعلمانيون ملتقى لهم لمواجهة «تغوّل الإسلاميين» ولتجاوز فشل الأحزاب الصغيرة والمفككة التي تأسست بعد ثورة 14 يناير.

 ومن المنتظر أن يندمج أكثر من 40 حزباً تونسياً في حزب قايد السبسي، كما ينتظر أن تتحالف معه أحزاب أخرى تلتقي معه في الرؤية والموقف والهدف، ومن بينها الحزب الديمقراطي التقدمي وحزب آفاق تونس وحزب العمل التونسي وحزب المبادرة وغيرها، في إطار مشروع وسطي وحداثي ومعتدل، يعمل على إحياء قيم الدولة التي بناها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة بعد تطعيمها بروح الديمقراطية والتعددية التي رسختها ثورة 14 يناير 2011.

ويرى المراقبون أن هذه الخطوة ستحدث نوعاً من التوازن في المشهد السياسي التونسي، وأن المنافسة السياسية في المرحلة المقبلة ستنحصر بين حزب حركة النهضة الإسلامي والتحالف الذي سيقوده حزب السبسي، خصوصاً بعد التراجع الكبير الذي عرفته الأحزاب اليسارية والقومية، وبعد فشل الأحزاب الوسطية المشتتة في تحقيق أي نجاحات تذكر في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي يوم 23 أكتوبر الماضي، كما أن فكرة تأسيس قيادة جماعية لحزب الزيتونة تتكون من 10 زعامات تاريخية في البلاد سيعطيه صدقية لدى عامة التونسيين ممن لم تحركهم أي رغبة في العمل الحزبي والسياسي لمرحلة ما بعد الثورة.

ولا يخفي السبسي اختلافه الفكري والإيديولوجي مع الإسلاميين من حركة النهضة والسلفيين وحزب التحرير الذي لم يحظ إلى الآن بتأشيرة العمل الحزبي، كما لا يخفي عدم ارتياحه لليسار، حتى إنه لم يستقبل ولو في مناسبة واحدة زعيم حزب العمال الشيوعي التونسي حمّة الهمامي رغم استقباله زعماء بقية الاحزاب، وحين سئل عن السبب قال: «استمعت إليه و هو يدعو الى تسليح الشعب، أي إنه يدعو الى الفوضى، وأنا لا أحب الفوضويين»، وفي المقابل يؤكد التزامه بمدرسة الحبيب بورقيبة، باني تونس الحديثة ومحرر المرأة ورائد الانفتاح على الغرب.

 

ذكرى طيبة

وإذا كان السبسي الذي احتفل منذ أيام قليلة بعيد ميلاده الـ85 ودّع قصر الحكومة بالقصبة، فإنه ترك بين الأغلبية الساحقة من التونسيين ذكرى طيبة، إذ كان له فضل كبير في الحفاظ على هيبة الدولة التي كانت مستهدفة، كما نجح في إدارة شؤون البلاد في ظل ظروف صعبة تميزت بكثرة الإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات والانفلات الأمني، والخروج عن القانون، وشعر معه التونسيون بالحنين إلى زمن بورقيبة الرئيس الأب الذي حكمهم لمدة 30 عاماً، واختلفوا في ممارساته الديكتاتورية ولكنه لم يختلفوا في وطنيته ونظافة يده وتقدمية فكره وحبه شعبه.