ما حصل في العام 2011 بين جنبات العالم العربي كان «إغريقياً» بكل المقاييس. استلهم أحداثه من أساطير أثينا وصراعاتها وآمالها ومخاوفها.

حينما أحرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسه في 17 ديسمبر 2010، لم يكن ليتصور أن ناره ستحرق أربعة زعماء عرب، دون أن يعني ذلك إخماد تلك النيران.

«البوعزيزية» ليست إلا مرادفاً لـ«طائر العنقاء»، الذي ما إن ينهض من تحت الركام معلناً عن بعثٍ جديد، حتى يخر أضداده صرعى. ضربة بداية إغلاق «صندوق باندورا» للشرور كانت من تونس في 14 يناير، حينما أعلن بشكلٍ مفاجئ، في مساءٍ شتويٍ بارد، تلظى بنيران البوعزيزي نفسها، أن الرئيس التونسي حينها، زين العابدين بن علي، فر من بلاده.

 لم يغلق بن علي الباب وراءه. إذ سرعان ما لحق به الرئيس المصري حسني مبارك، الذي أسقطته مليونيات ميدان التحرير في 18 يوماً، انتهت في 11 فبراير بخطاب تنحٍ لم يعهده العرب. وما لبثت السبحة أن كرت بعد ستة أيام في ليبيا، التي اختصر اسمها الرسمي الطويل أبداً، بصورة العقيد معمر القذافي، الذي لن ينسى العالم قسمات وجهه وهو يستجدي شباب الثورة المحافظة على حياته في 20 أكتوبر، بعدما كان وصفهم بـ«الجرذان» في خطاب «الزنقة» المشهور.

أما اليمن السعيد، فدخل في لجج بحرٍ متلاطم من الأزمات، كادت تودي بسفينته إلى الغرق، قبل أن تنتشله المبادرة الخليجية.

ثار اليمنيون واعتصموا مطالبين بالتغيير في ساحات مدنهم عبر شهور طوال، كتبت فاتورتها الغالية المعمدة بالدم في منتصف فبراير، حتى كان لهم ما أرادوا، رغم أن الكثير ما زال يتوجب فعله لطي صفحة الماضي والتطلع نحو مستقبل مشرق، يعيد لليمني ثقته بوطنه ونفسه.

أربعة زعماء عرب اختفوا من المشهد السياسي، ما بين منفيٍ ومسجونٍ ومقتول ومتنحٍ، موقنين درس التاريخ البليغ؛ أن المعركة مع الشعوب خاسرةً دوماً.