أحدثت «ثورة الياسمين» تغيراً جذرياً في أسماء القادة السياسيين في تونس.. إذ أصبح المساجين والمنفيون في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي أو في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة على رأس السلطة.
وما السيرة الذاتية لقادة تونس الجدد إلا دليل واضح على ذلك حيث تروي معظمها قصصاً من المعاناة امتدت حتى إلى أفراد أسرهم وإلى صدور أحكام بحقهم بالإعدام. ويكفي التأمل في السيرة الذاتية لقادة تونس الجدد حتى يكتشف أن عددا كبيرا منهم يحمل وراءه تاريخا من المعاناة سواء في السجون او في المنفى.
رئيس البلاد المنصف المرزوقي، الرجل الأول الآن في تونس، عاش عشرة الأعوام الأخيرة في منفاه الاختياري بفرنسا بعد أن جرب السجن الانفرادي لمدة اربعة شهور في العام 1994، ولم يتم الإفراج عنه الا بتدخل شخصي من الزعيم الجنوب الأفريقي نيلسون مانديلا.
وقضى رئيس الحكومة حمادي الجبالي 15 عاما خلف القضبان تنفيذا للحكم الصادر ضده من المحكمة العسكرية في العام 1991.. في حين ذاق وزير الداخلية الجديد المهندس علي العريض جميع ألوان التعذيب البدني في أروقة الوزارة التي يشرف عليها اليوم. و قضى 15عاما في السجن بعد ان حوكم في العام 1991 بتهمة «التأمر على امن الدولة والمشاركة في الإعداد لانقلاب على نظام الحكم» بعد أن حكم عليه بالإعدام العام 1987 قبل ان يحظى بعفو رئاسي من قبل بن علي.
وتعرض وزير العدل الجديد المحامي نور الدين البحيري للسجن من فبراير الى سبتمبر من العام 1987 ثم اصبح في ما بعد محامي الجماعة الاسلامية في تونس واحد المدافعين السريين عن حقوق الانسان.
اما المكلف بحقيبة الصحة د. عبد اللطيف المكي فقضى في السجن مدة 11 عاما بينما سجن وزير حقوق الانسان والعدالة الانتقالية الناطق الرسمي باسم الحكومة المحامي سمير ديلو لمدة 10 اعوام.
ويعد ديلو عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة أحد رموز النضال الحقوقي والنقابي داخل تونسي، وقد بدأ نشاطه النقابي المعارض بصفة مبكرة عندما كان طالباً في إحدى الثانويات وبسبب مشاركته في أحداث «الخبز» العام 1984 اُتخذ في حقه قرار جائر بالطرد من جميع معاهد البلاد مما اضطره لمواصلة تعليمه في مؤسسة تعليمية خاصة.
وعندما التحق بالجامعة انخرط في الحركة الطلابية ضمن الشق الإسلامي. وكان الزعيم الأول فيها في فترة ما، إلى أن حوكم مع قيادة الاتحاد العام التونسي للطلبة العام 1991 وصدر في حقه حكم بالسجن لمدة 10أعوام. وفي العام 2001 اعتقل من جديد وأفرج عنه بعد أسبوع على إثر حملة دولية نظمت لصالحه، ليصبح عضوا مؤسسا في الجمعية الدولية للدفاع عن المساجين السياسيين وعضوا ناشطا في جمعية الحقيقة والعمل بسويسرا.
ويضاف إلى القائمة ذاتها وزير الدولة للإصلاح الإداري المحامي محمد عبو الذي سجن لمدة عامين وستة شهور على اثر محاكمة جائرة تمت في العام 2005 بعد سلسلة من المقالات الفاضحة لديكتاتورية النظام المخلوع بن علي.
كما يضاف إليها وزير النقل الجديد المهندس كريم الهاروني، 51 عاما، الذي يعد من القادة المؤسسين لحركة النهضة، وعضوا لمجلس الشورى فيها، والذي قضى فترة من السجن امتدت ما بين العامين 1987 و1988 قبل أن يحاكم من جديد في العام 1991 بالسجن لمدة 15 عاما ولم يفرج عنه الا في العام 2007.
معاناة كبيرة
ويبدو أن وزير التعليم العالي الجديد د.المنصف بن سالم كان له نصيب الأسد من المعاناة حيث عاش لما يزيد على ربع قرن بين السجن والمراقبة الإدارية والحرمان من العمل.
اُعتُقل د. بن سالم يوم 26 نوفمبر 1987 وصدر حكم من محكمة أمن الدولة بالسجن لمدة 10 اعوام و بالمراقبة الادارية اللصيقة لمدة 10 اعوام اخرى ظل إلى العام 1989 بحالة إيقاف.
وفي مايو 1989 منع من مباشرة مهامه بوصفه أستاذا محاضرا في الرياضيات بالمدرسة القومية للمهندسين بصفاقس.
أما في 1990، فصدر أمر رئاسي يقضي بشطب اسمه من الجامعة ، وفي العام ذاته وإثر تصريح صحافي أدلى به د. منصف بن سالم لأحد الصحافيين الجزائريين، تم إيقافه. وبعد خروجه من السجن العام 1993 وضع د. بن سالم بمحل إقامته تحت الإقامة الجبرية ، دون أن يكون صدر في حقه أي حكم قضائي.
وظلت ثلاثة فرق من الأمن منذ ذلك الحين تتناوب على مراقبة منزله، حتى العام 2001، إضافة إلى قطع خدمة هاتفه لمدة أربعة اعوام ومنعه من اقتناء اللواقط الهوائية لمشاهدة القنوات الفضائية، بل اشتد الظلم ليتم حرمان الحي الذي يقطنه من الخدمات العادية من تصريف المياه، التنوير العمومي، تعبيد الطرقات، البريد، الى جانب حرمانه هو من أي تغطية اجتماعية كالتأمين على المرض. إلى أن منع في العام 1994 من زيارة والدته المريضة وحضور جنازتها ومراسم دفنها بعد وفاتها.
ورغم تدخل شخصيات علمية ودبلوماسية لدى السلطات السياسية العليا في تونس، من أجل تسوية وضعية د. بن سالم فيما يتعلق بأجوره المتراكمة بذمة وزارة التعليم العالي وحقه في العودة إلى التدريس، وحقه هو وأبناؤه في جوازات السفر، فإن تلك المحاولات جميعها آلت إلى الفشل. فوزير التعليم العالي الفرنسي الاسبق و عالم الرياضيات الشهيز لورونت شوارتز جاء إلى تونس والتقى ببن علي وتلقى وعوداً بتسوية وضعية د.بن سالم بصورة نهائية إلا أنه لم يسمح لبن سالم بالسفر.
منفيون
وإلى جانب هؤلاء، فإن قائمة القادة الجدد لتونس تتضمن عددا ممن فروا من البلاد بسبب الملاحقات الأمنية و القضائية من بينهم وزير الخارجية د. رفيق عبد السلام ووزير الدولة المكلف بالهجرة حسين الجزيزي ومستشار رئيس الحكومة المكلف بالملفات السياسية لطفي زيتون.
