عاش الإعلام المصري منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن فترة لم يعهدها في تاريخه لجهة مساحة الحرية المتناهية التي فتحت أمامه واستخدمها على نحو كبير في تكسير القيود والخطوط الحمراء التي كبلته على مدى العصور السابقة.
ودفعت هذه الحالة إلى ضخ أموال كثيرة من جانب مستثمرين ورجال أعمال في مجال الاعلام بشقيه المرئي والمقروء، حيث خرجت إلى النور عشرات القنوات الفضائية والصحف الجديدة تبحث لها عن مساحة في هذا العالم الجديد الذي لا سيطرة لاحد عليه سواء حكومة أو نظام.
ومع تواصل هذا الانتشار الاعلامي في ظل عهد الحرية الجديد، الذي فتحت نوافذه على حدها الاقصى، جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية، خصوصا في مرحلتها الأولى، لتربك حسابات «رجال الاعلام» الذين باتوا يخشون من ان يؤدي صعود التيار الاسلامي إلى «حجب حريتهم» مرة أخرى وبشكل أكثر حدة مما كان عليه الحال سابقا.
حرية التعبير
ويقول الإعلامي المصري كامل عبد الفتاح لـ«البيان» ان حرية الاعلام في المستقبل تتوقف على من سيصل إلى السلطة». ويضيف: «وبعد صياغة الدستور، إذا كان للقوى الاسلامية تأثيرا كبيرا على التشريعات، فان هذا سينعكس على سقف حرية التعبير». ويردف: «اتوقع تأثر مجالات الفنون بشكل أكبر أن أثروا في صناعة القرار خاصة وان التجربة الماضية تشير إلى ان المؤسسة الدينية سواء الرسمية أو غير الرسمية في عهد الرئيس السابق حسني مبارك كانت تتدخل في رفض اعمال ادبية وابداعية تحت مسمى انها تتناقض مع ثوابت العقيدة».
ويستطرد: «ويكفي ان هناك ايضا في السابق اثنين من الادباء احدهما تعرض للقتل والثاني لمحاولة اغتيال وهما فرج فودة ونجيب محفوظ». ويوضح عبد الفتاح: «اعتقد انه يجب على النقابات المهنية الخاصة باصحاب الرأي والفكر ان يكون لها دور في الدفاع عن حريات أعضائها والتشديد على ان تكون هناك قواعد ثابتة في الدستور تكفل حرية التعبير بكافة اشكالها».
الاعلام والرأي
بدورها، تشير الكاتبة المصرية فاطمة ناعوت إلى أنه «ليس الإعلام وحده الذي سيسقط فحسب، بل ستسقط معه كل المنابر التي تحمل كافة ألوان الرأي والتعبير». وتابعت ان ما وصفته «خطورة المجتمع الثيوقراطي، تكمن في أنه أحادي الصوت»، على حد وصفها. وتضيف: «شاركت في برنامج على القناة الاولى المصرية مع بعض النساء وتناقشنا بشأن مستقبل مصر في ظل الحكم الديني».
واستطردت: «فوجئنا أن حزب النور السلفي رفع دعوى قضائية على القناة الأولى لأنها سمحت لنا أن نعلن آراءنا التي لم ترُق لهم، رغم أننا لم نُخطئ في حق أحد، ولم نذكر اسمًا بعينه، بل كنا ننتقد منهجًا في التفكير. هذا الأداء هو نموذج لما سيغدو عليه الحال في مصر»، على حد تعبيرها.
تحول إيجابي
من جهته، ينوه استاذ الاعلام في جامعة القاهرة د. محمود يوسف لـ«البيان» إن الاعلام المصري الخاص «كان يتمتع بسقف حرية قبل الثورة أكثر من الاعلام الحكومي، بل ان الاخير بعد الثورة وحتى قبل شهرين ظل على نغمة الاعلام الرسمي». ويقول: «لكن هذا الاعلام الرسمي شهد تحولا ايجابيا في الفترة الاخيرة واصبح يناقش كافة القضايا بحرية كبيرة ومساحة من الشفافية لم تكن موجودة من قبل وفتح الباب على مصراعيه أمام كافة التيارات السياسية وشرائح مختلفة من الشعب المصري للتعبير عن افكارها بشكل واضح».
وتابع: «أما التخوف من القيود التي قد يفرضها التيار الاسلامي على الاعلام، فأرى انه ينبغي علينا الا نستبق الاحداث، فالتصويت ما زال مستمرا حتى يناير المقبل، ثم اننا لم نختبر هذا التيار على ارض الواقع، ولهذا لابد من اعطائه الفرصة قبل ان نحكم عليه». ويضيف: «الشعب وصل لمرحلة من النضج الكبير، واذ لم يلب التيار الاسلامي طموحات من انتخبوه او حاول تغيير نمط حياتهم وهويتهم فانه سيتظاهر ضدهم ويسقطهم كما اسقط مبارك».
