المسافة بين ميداني «التحرير» و«العباسية» في القاهرة لا تعدو عن كيلومترات قليلة، لكن الهوة السياسية بينهما بلغت درجة من العمق لا يمكن وصفها مع اقتراب الذكرى السنوية الاولى لثورة 25 يناير، حيث علت في ارجائهما رايات الانقسام الحاد، الذي انتقلت عدواه إلى جميع ميادين مصر.
واذا كان «التحرير» ظل محافظاً على ديمومته الاولى، مناهضا لكل من جلس على كرسي الحكم رافضا للظلم والقهر والديكتاتورية، مطالبا بالحرية والقصاص للقتلى الذين سقطوا في الساعات الاولى لميلاد الثورة وما تلاهم من ضحايا تناثرت دماؤهم وهم يحلمون بتحقيق أهدافها وغاياتها ومقاصدها، فإن «العباسية» ظهر في الجانب الآخر معلنا عن نفسه بقوة مدافعا عن السلطة العسكرية، رافضا التعرض لها من قريب أو بعيد، وكأن لسان حاله يقول: «ألم يكفِ رحيل مبارك لننهي هذا؟»
حافة الهاوية
هذا الانقسام الذي يخيم على المشهد المصري الان، جعل جميع الخيوط معقدة ومتشابكة، في ظل وجود نخبة بعضها «حزين» لانه خرج من حصاد الانتخابات «صفر اليدين» والبعض الآخر يعد الساعات الباقية لجولة الاقتراع الاخيرة، ممنيا نفسه بالتهام «تفاحة السلطة» منفردا، بعد ان كان «محروما» حتى من التفكير في الحصول على «مقعد برلماني». وفي هذا الوقت، كان طرف قليل من «النخبة» يحذر من لعنة الانقسام والاستقطاب التي يمكن ان تدفع بالمجتمع نحو حافة الهاوية، لاسيما وأن لغة التخوين أصبح لها مساحة واسعة وبارزة في مفردات اللغة السياسية المتداولة، وهو أمر لم يكن موجوداً طوال فترة الثورة ضد الرئيس السابق والتي استمرت 18 يوماً.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل ان هذا الانقسام الحاد ألقى بظلاله على المؤسسة الوحيدة التي ظلت متماسكة بعد الثورة، وهي المؤسسة العسكرية التي وجدت نفسها، أما بقصد أو بغيره في «عين العاصفة» التي تجتاح البلاد من كافة الاتجاهات. ولم يعد من المحرمات توجيه أقسى عبارات النقد والتجريج لها، بل ان البعض تحدث صراحة عن انه يهدف الى تعميق الخلاف بين عناصرها من أجل إحداث انشقاق بداخلها، فيما كانت هذه المؤسسة نفسها تعطي الفرصة للآخرين للنيل منها عبر المواجهة العنيفة مع المتظاهرين والتباطؤ في اتخاذ القرارات التي تعكس تطلعات الثورة والثوار.
حلول إبداعية
إزاء هذا التعقد والتشابك في خيوط الأزمة المصرية، بدا مطلوبا من الجميع ضروة تنحية الخلافات والانقسامات جانبا، والبحث عن حلول إبداعية خلاقة تستطيع معالجة «الخطايا» التي حدثت خلال الفترة الانتقالية، وتسهيل عملية «الخروج الآمن» للمؤسسة العسكرية من دهاليز السياسية وإعطاء فرصة للمجتمع حتى يلتقط أنفاسه.
ولعل من أهم الحلول التي تتردد الان ويجري الحديث عنها بين رموز النخبة والقوى السياسية هي تسليم الحكم لرئيس مجلس الشعب المنتخب بحلول 25 يناير المقبل وعودة القوات المسلحة الى ثكناتها، من أجل ان يظل جسمها متماسكا. كذلك هناك حديث عن تسريع عملية كتابة وصياغة الدستور بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية الحالية، بالتزامن مع إجراء الانتخابات الرئاسية، حتى يمكن «تهدئة» القوى التي لا تريد استمرار المجلس العسكري في الحكم إلى يونيو المقبل.