في أول لقاء له مع صحيفة عربية بعد الإعلان عن تعيينه وزيراً للخارجية في الحكومة التونسية الجديدة، أكد د. رفيق عبدالسلام أنه لا يرى مبرراً للخوف من هيمنة قطر على القرار التونسي كما يروج البعض وأنه سيبادر من خلال الحكومة على دعم العلاقات الأخوية مع الرياض في الفترة المقبلة.

كما رفض الوزير ما تردد من أنه رشح للمنصب كونه صهر زعيم «النهضة» راشد الغنوشي مؤكداً أن كفاءته هي ما دفعت الحركة لترشيحه وأن الأيام ستثبت ذلك، وأشار عبد السلام الى أن المرحلة القادمة ستشهد تنشيطا للدبلوماسية التونسية مع شركاء البلاد التقليديين وخاصة من العواصم العربية والغربية، كما أكد أن العلاقات مع الإمارات ستشهد تميزاً على جميع الأصعدة.

وفيما يلي نص أول حوار للوزير التونسي مع صحيفة عربية:

تحيي تونس هذه الأيام الذكرى الأولى بانطلاق شرارة ثورتها التي انطلقت من سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر، وهي الثورة التي أنهت نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي وغيّرت المشهد السياسي في البلاد مما اتاح لحركة النهضة الوصول الى الحكم، فكيف تنظرون إلى المستقبل؟

المستقبل مبشّر بكل خير، لأننا اجتزنا المرحلة الاصعب التي أعقبت الثورة وسقوط نظام بن علي يوم 14 يناير، نعم لقد سقط أكثر من 300 شهيد ومئات الجرحى، ولكنها والحمد لله تضحية تستحق ما تحقق للبلاد من تحول تاريخي وانتصار لإرادة شعبنا التونسي العظيم، لقد اجتزنا المرحلة الانتقالية بأمان، واستمرت الدولة في أداء وظائفها الحيوية، وقد توج كل ذلك بأول انتخابات حرة ونزيهة وتعددية وديمقراطية منذ استقلال تونس في العام 1956، مما جعلنا ننتقل من شرعية الأمر الواقع إلى الشرعية الديمقراطية والاحتكام إلى صندوق الاقتراع.

 

مخاوف التيارات

بعض الأطراف والتيارات الديمقراطية والحداثية تخشى من أن تنقلب حركة النهضة على مسار الدولة الحداثي فكيف تردون عليهم؟

أعتقد أن المطلوب حاليا أن نتجاوز الاستقطاب الايديولوجي والفكري، لا أحد يستطيع احتكار الاسلام كما لا أحد مخول لأن يمتلك مشروعية تمثيل الحداثة، كلنا مسلمون وحداثيون في الوقت ذاته، ونحن كتونسيين متفقون على الحد الأدنى من عناصر الهوية المعبر عنها في الفصل الأول من دستور العام 1959 فتونس دولة مستقلة لغتها العربية ودينها الاسلام، من هنا أقول ليس هناك ما يوجب الخوف من حركة النهضة أو من غيرها، لدينا حكومة ائتلافية تتشكل من ثلاثة أحزاب رئيسية الى جانب مستقلين وتكنوقراط.

وجميع هذه الأطراف ستعمل بروح وفاقية لإدارة شؤون الحكم، لا شك أن إدارة الحكومة الائتلافية اصعب من إدارة حكومة من حزب واحد، ولكن الخيار الأفضل في مرحلة الانتقال الديمقراطي أن تكون الحكومة متعددة المشارب والألوان السياسية والفكرية، لأنه ليس من المناسب في بداية مشوارنا الديمقراطي أن ننتقل من هيمنة حزب حاكم الى هيمنة حزب آخر.

 

النموذج التركي

كان بورقيبة متأثراً بكمال اتاتورك و(النهضة) اليوم متأثرة بـ (العدالة والتنمية) فما هو سر هذا التأثر التونسي بالنموذج التركي؟

ربما ظروفنا من الناحية الجغرافية، فنحن بلدان متوسطيان، قريبان من الرياح الاوروبية بخيرها وشرها، وقد تأثرت النخب التونسية كالنخب التركية بالتجارب والافكار الغربية، اضافة الى أن لنا حركة اصلاحية في تونس تأثرت بالفضاء العثماني، لا تنسى المصلح الكبير خير الدين باشا الذي صدر في عهده أول دستور تونسي 1861، لقد تأثر بورقيبة بالنموذج الأتاتوركي الى حد كبير.

وهذا صحيح مثلما نحن اليوم نصغي باهتمام الى ما يجري في تركيا، حيث أهم ما يجلب الانتباه هو قدرة حزب «العدالة والتنمية» على تسجيل نجاحات اقتصادية واجتماعية وديمقراطية مهمة، دائما هناك خصوصيات لكل بلد ولكن للتجارب ان تستنسخ، وما يمكن استخلاصه هو روح التعايش والتغلب على الاستقطاب الايديولوجي بروح عملية.

 

العلاقات مع الإمارات

كيف ستكون العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة؟

نحن حريصون على توثيق وتوطيد علاقاتنا بدولة الامارات العربية المتحدة وعلى جعلها علاقات نموذجية تبنى على روح الأخوة الصادقة والتنسيق المشترك والاحترام المتبادل وعلى التكامل والتعاون في كل المجالات، لقد كان لدولة الإمارات العربية المتحدة حضور نشط في السوق التونسية ومع وجود الأمن والاستقرار والشفافية وسلطة القانون سنعمل على تدعيم هذا الحضور أكبر.

وسأسعى بإذن الله بعد مباشرة مهمتي على التواصل مع أخي سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإماراتي من أجل العمل على تطوير العلاقات الثنائية ودعم التنسيق والتشاور بين حكومتينا لما فيه خير بلدينا وشعبينا الشقيقين والامتين العربية والاسلامية.

 

هيمنة قطر

البعض في تونس يخشى من هيمنة قطرية على القرار السيادي التونسي، فكيف ترون ذلك؟

علاقاتنا مع دولة قطر كعلاقاتنا مع جميع الاشقاء، والاصل في الاشياء أن تكون لنا علاقات جيدة مع كل العرب، ولا أرى أي مبرر للخوف على القرار السيادي التونسي لأنه لن يكون أبدا الا قرارا تونسيا ينطلق من ثوابتنا وقيمنا ومن مصلحتنا الوطنية.

كيف تستشرفون مستقبل العلاقات التونسية السعودية؟

لا يمكن الا أن تكون علاقات قوية وأخوية ومتينة مثلما كانت دائما متجذرة في التاريخ، والسعودية دولة كبيرة ومؤثرة في المنطقة والعالم والعلاقات بينها وبين تونس علاقات عميقة من كل الجوانب الاقتصادية والثقافية والحضارية والتاريخية، وسنسعى بأقصى قوانا لدعم هذه العلاقات وتطويرها الى ما فيه خير بلدينا وشعبينا.

 

قرابة وكفاءة

يبقى لي أن أسألك ختاما عن رأيك في ما يدور على بعض الألسنة ومواقع التواصل الاجتماعي حول علاقتك الأسرية بالشيخ راشد الغنوشي وعما إذا كان لها دور في اختيارك لمنصب وزير للخارجية؟

أنا لم أتولّ هذه المسؤولية لأنني صهر الشيخ راشد الغنوشي (زوج ابنته) ولكن لأن مؤسسات حركة النهضة هي التي قدمتني لهذه المسؤولية، ونحن في الحركة لنا قرار مؤسسي ديمقراطي، وقد نوقش الموضوع منذ أن تم ترشيحي من قبل المكتب التنفيذي بشكل مستمر قبل تحويله إلى الهيئة التأسيسية التي اتخذت قرارا بالأغلبية لترشيحي لهذه الوزارة بناء على تقدير الكفاءة وعنصر التخصص، فأنا درست العلاقات الدولية واشتغلت في مجال البحث والدراسات الدولية ذات الصلة بموضوع السياسة.