كان التباين في فهم تفسير الدستور أحد أسباب تفجر الأزمة السياسية في الكويت والتي قادت تالياً إلى لجوء البعض إلى خيار الشارع وساحة الإرادة والصدام مع الحكومة ورئيسها المستقيل الشيخ ناصر المحمّد الصباح، واليوم تخوض الكويت غمار «تشويش» على عمل الحكومة وعلى الصلاحيات الأميرية التي قضت قبل أسبوعين بحل مجلس الأمة (البرلمان) حلاً دستورياً.. والمدخل هو تفسير الدستور.
ففي الأسبوع الماضي شكّل رئيس الوزراء الجديد الشيخ جابر المبارك الصباح حكومة مدمجة من 10 وزراء على اعتبار أن الحكومة مؤقتة مهمتها الإشراف على الانتخابات، ولكن الحكومة اصطدمت بمطب «النائب المُحَلّل»، أي ضرورة ضم أي تشكيل وزاري نائباً منتخباً ولمّا كان البرلمان مغيّباً بالحل فإن الوزارة التي تشكّلت في غياب السلطة التشريعية خلت من نائب، ما جعلها لا تخلو من «الشبهة» الدستورية.
وفي خضم حالة التراشق الكلامي التي باتت خبزاً يومياً للكويتيين، على اختلاف توجّهاتهم وتياراتهم، ثار حديث حول الحاجة إلى سحب المرسوم الأميري القاضي بحل مجلس الأمة لإعطاء الصفة النيابية على الوزير رقم 11 الذي سيختاره الشيخ جابر المبارك..
وحتى هذا الخيار يكتنفه الكثير من الالتباس والمحاذير، فسحب مرسوم أميري بات نافذاً بعد نشره في الجريدة الرسمية يعتبر سابقة غير محمودة، كما أن العثور على شخص هذا الوزير - النائب الذي يعرف مسبقاً أنه سيقال بعد شهرين أمر شبه عصي، بخاصة بعد تحريك بعض الأطراف دعوى قانونية تطلب بطلان القرارات والإجراءات التي كانت سبباً للمرسوم الأميري رقم 2011/443 القاضي بحل مجلس الأمة لما يعتبره الطاعنون مخالفات لقواعد الاختصاص وصيرورتها.. مستندين على أن الأغلبية الوزارية التي صوتت على رفع قرار الحل إلى أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر كانت «منعدمة الصفة» نظراً لأنهم كانوا أعضاء حكومة مستقيلة.
وهكذا، باتت الحكومة الكويتية أمام متاهة تفسيرات، تدعي كلّها أنها تستلهم روح القانون ونصوصه. وما يزيد من حراجة الوضع أن الكويت بدأت تستعد لمرحلة سياسية جديدة يفترض أنها ستتاسّس على نمط عمل جديد بعيداً عن ما ساد المرحلة السابقة من أجواء الخصومة، سواء بين أقطاب السلطتين التشريعية والتنفيذية أو السلطة التنفيذية وأسماء فاعلة داخل أسرة الحكم. وبدأت العديد من الأصوات القلقة تصدح بالتحذير من ان هذا التشويش سيتسبّب في شل العمل السياسي وإقحامه في معارك جانبية على حساب الكثير من القضايا والملفات والمشاريع المعطلة التي كان يعوّل على الحكومة الجديدة، وإن كانت فترة صلاحيتها محدودة، في التعاطي معها ووضعها على سكة الحل.
وهناك من يربط فتح هذه الجبهة على الحكومة وعلى الحكم ببدء تحقيقات النيابة العامة في قضايا الإيداعات المليونية التي تطال نحو 20 نائباً سابقاً، وهي إجراءات ما كان لها أن تأخذ هذا الزخم القانوني لو كان النواب المشتبه بهم يحظون بالحصانة البرلمانية.
وضع محرج سياسياً
وأمام هذه التفسيرات التي باتت تكبر ككرة الثلج، باتت صدقية الحكومة الجديدة، والأخطر دستوريتها، على المحك. وبات عديد من السياسيين لا يرون مخرجاً إلاّ في إعادة التشكيل الوزاري عبر صدور مرسوم جديد وأداء وزراء الحكومة السابقة أنفسهم القسم من جديد أمام الأمير..
ويرى أصحاب هذا المقترح في ذلك سداً للذرائع التي ستلي الانتخابات وتشكيل مجلس نيابي جديد قد يُستقبل بطوابير الطاعنين، وبالتالي يكون مرسوم حل مجلس الأمة كالقنبلة الموقوتة. ومع ذلك يبدو أن الحكومة ماضية في عملها استناداً إلى اعتماديتها أن مرسوم الحل (الذي استند إلى المادة 107 من الدستور التي تمنح الأمير حق حل مجلس الأمة) «متين» دستورياً، وأنه لم يأت بناء على كتاب عدم تعاون من الحكومة كما يفسّر الطاعنون والمشككون مواقفهم.
ومع ذلك نقل عن مصادر حكومية أن الحكومة حريصة على الالتزام بالدستور والأخذ بالاعتبار كل الآراء الدستورية التي طرحت على الساحة السياسية.. وهكذا يبدو أن المشهد السياسي الكويتي مفتوح على مرحلة سجال جديدة عنوانها: المراسيم الأميرية.
