بعد حرب وصفها المراقبون بـ «الكارثية» والأكثر دموية منذ الحرب العالمية الثانية، بدأت القوات الأميركية انسحابها الرسمي من العراق، حيث غادر الآلاف منهم بالفعل أرض الرافدين متوجهين صوب قاعدة فرجينيا شمال دولة الكويت، وهم في طريق العودة نحو مدنهم في الولايات المتحدة.
ولئن اعترفت واشنطن رسمياً بسقوط 4500 قتيل وأكثر من 30 ألف جريح خلال حرب السنوات التسع الماضية، فإن الجسد العراقي المثخن بالجراح تلقى أكثر من ذلك بكثير، حيث قتل عشرات الآلاف من شبابه، ورمّلت آلاف النساء ومثلهن من الأيتام، وتحول البلد الذي كان يفخر بحضارته وعمارته التي تفوق زمنياً وواقعياً أغلب بلدان المنطقة؛ إلى أرض خربة وأبنية مدمرة تدمي القلب.
الجنود الأميركيون العائدون هذه المرة إلى بلادهم سيعودون من العراق وهم محملون بكوابيس القتل اليومي والدماء التي سالت في أرض الرافدين، وبعض هؤلاء الجنود نقل من قاعدته في أميركا إلى مدينة عراقية، وهو ربما لم يرَ أو يشاهد مدينة خارج إطار ولايته التي يعيش فيها، وبعضهم لم يسمع باسم العراق يوماً، وهاهم يعودون اليوم ليقصوا على أطفالهم ما تراكم في مخيلتهم وعقولهم عن الأرض العراقية وأناسها.
إن المهمة التي قام بها الجيش الأميركي في العراق ـ وبمعزل عن الآراء المؤيدة والمعارضة لها ـ أفضت إلى عراق ينتظره مستقبل مجهول، فها هي القوات الأميركية تنسحب من العراق دون أن يفكر هؤلاء الجنود الذين وصف بعضهم أيام الخدمة في العراق بـ«أيام الخدمة في الجحيم» دون أن يفكر هؤلاء بمصير ملايين المدنيين من العراقيين، الذين لا يعلمون ما ينتظرهم في الأيام المقبلة.



