يشعر الكثير من اليساريين العرب بنوع من المرارة، وهم يراقبون اكتساح الإسلاميين للانتخابات في الدول التي نجحت فيها ثورات «الربيع العربي»، وينتظرون بترقب تلك الدول التي لايزال الصراع فيها غير محسوم، ولو أن مآلاته النهائية يمكن استشفافها من خلال سياق الأحداث.

ومنبع مرارة وقلق اليساريين والليبراليين العرب، يعود إلى أنهم نظّروا كثيراً لتغيير الأنظمة المستبدة، ودفع بعضهم أثماناً غالية في السجون والمعتقلات، وكان الكثيرون منهم نجوم الثورات العربية على شاشات القنوات التلفزيونية، ولكن صناديق الاقتراع لم تنصفهم كما يعتقدون. وحالهم في هذا كحال من يعتقد بأن أنجز مشروع عمره ثم أتى من سرق هذا المشروع وأعطاه عنواناً آخر.

ولكن معضلة هؤلاء، التي تجلت في الكثير من المقالات والتصريحات الصحافية، أعقد مما يبدو للوهلة الأولى، فتغيير أنظمة القمع والفساد كان خيار حياة أو موت، وأي خيار آخر أفضل من تلك الحالة التي مرت بها بلدان «الربيع العربي»، والتي حولت الدولة إلى مستعمرة أمنية يقودها الفساد والمافيا العائلية. أما وصول الإسلاميين بالنسبة لهم فهو حالة عارضة إذا ما تم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق يرى الكاتب السوري سلامة كيلة أن الانتفاضات العربية انحكمت بوضع سياسي اتسم بضعف أو تلاشي القوى التي يمكن أن تعبّر عن مشكلات الطبقات المفقرة التي كانت أساس الانتفاضات، بالتالي كانت الانتفاضات عفوية، ولذلك أصبحت صياغة الوضع الجديد تخضع لوضع القوى «الفاعلة» في المعارضة، ولطبيعة «الانتصار» الذي تحقق. ولقد ظهر الإسلام السياسي قوة معارضة للنظم، ثم قوة مناهضة لـ«الإمبريالية» بعد الحرب الأميركية على الإرهاب. بالتالي، بتنا في وضع يبدو فيه الإسلام السياسي وارثاً لدور اليسار، وأصبح القوة الأساسية في العديد من البلدان، أو القوة التي لها رمزية تسمح لها بأن تحوّلها إلى قوة فعلية. هنا كان الإسلام السياسي هو المؤثر، وكان يبدو بديلاً حقيقياً لتلك النظم. ذلك ما جعل له قاعدة، تعززت بقوّة مالية كبيرة.

غير أن كيلة لا يرى أي مستقبل لهذه الحركات والأحزاب السلطة التي سيحكم فيها الإسلاميون و«حلفاؤهم الليبراليون»، لا تستطيع أن تمتلك القوة التي امتلكتها النظم الساقطة، وبالتالي ستكون ضعيفة ومهزوزة وقابلة للسقوط، في وضع يفرض أن تبلور الطبقات الشعبية تمثيلها السياسي المعبّر حقيقة عن مصالحها، في أفق انتفاضة جديدة. ولذلك يرى كيلة أن الإسلاميين سيبلعون النشوة التي يعيشونها، وسيكون انتصارهم الراهن هو مؤشر الانحدار وليس زهوة الوصول إلى القمة.

ولكن أياً يكن رأي اليساريين أو الليبراليين في الحالة الراهنة التي تسود بلدان الربيع العربي، تبقى أسئلة مستقبل الحركة الإسلامية العربية مطروحة بين خيارين، أحدهما يحاول أن يقتدي أو ينسج على منوال النموذج التركي، والآخر يرى في تطبيق الشريعة برنامجاً سياسياً يستحق العمل الدؤوب لأجله.

وبين هاتين الرؤيتين ينقسم الشارع الإسلامي العربي، وبالتالي صناديق الاقتراع التي شكلت مصدر نشوة لأتباع هذا التيار، أو مصدر قلق للمناوئين له.

وها نحن في هذا الملف نحاول أن نرصد الحالة الإسلامية في دول الربيع العربي، وأن نضيء على الكثير من التساؤلات التي تشغل المواطن العربي، الذي يترقب مسار التحولات في بلدان عربية محورية، نظراً لأن هذا المسار سيحدد مستقبل المنطقة برمتها، ربما لسنوات طويلة مقبلة.