لا يخفي اليساريون السوريون المعارضون مخاوفهم من وصول الاسلاميين إلى السلطة في سوريا حال سقوط نظام البعث، ولذلك تجدهم يلعبون دور جرس الانذار من الخطر المقبل إن استمرت السلطة في نهجها الذي يعتمد الحل الأمني، مطالبين بتغليب لغة الحوار على لغة السلاح والدم. غير أن واقع الحال، والمعطيات التي يقدمها الوضع السوري الخاص تخفف من هذه المخاوف، وتجعل الخيار الاسلامي، واحداً من الخيارات الثانوية للثورة السورية، على الرغم من محاولات وصمها بهذه الصفة من قبل مناوئيها.
ومنذ بدايات الانتفاضة السورية، بدا أن الاسلاميين التقليديين في المجتمع السوري لا يملكون خطاباً يمكن أن يواكب المظاهرات التي اندلعت في أغلب المدن والمحافظات السورية، ومن رفع صوته منهم جرى قمعه بشدة، كما حصل مع علماء حمص، وبعض علماء دمشق أمثال الشيخ أسامة الرفاعي إمام وخطيب مسجد الشيخ عبد الكريم الرفاعي في كفرسوسة، وكذلك الشيخ كريم راجح إمام وخطيب مسجد الحسن في الميدان، والشيخ سارية الرفاعي إمام وخطيب مسجد زيد في باب سريجة، والشيخ محمد راتب النابلسي إمام وخطيب مسجد عبد السلام النابلسي في الصالحية، والذي شهد عدداً كبيراً من المظاهرات بعد صلاة الجمعة، والتي جوبهت بعنف شديد، اضطر الشيخ راجح لأن ينسحب من الخطابة في المسجد.
وعلى النقيض من هؤلاء الذي تكلموا بخجل، أو التزموا الصمت، نجد أن الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أعلن منذ البداية انحيازه التام لموقف النظام، وكذلك المفتي أحمد الحسون، ووزير الأوقاف محمد عبدالستار السيد، وطائفة أخرى من شيوخ حلب ودمشق التقليديين.
ولاشك أن موقف المشايخ هذا ساهم في تخفيف الحماس الشعبي للإسلاميين التقليديين، مقابل تزايد في اللافتات التي تؤكد على محاربة الطائفية ووحدة الشعب السوري، وإعلان الولاء للمجلس الوطني ورئيسه المعروف بعلمانيته.
ورغم الميول اليسارية لعدد من المشاركين في المجلس الوطني السوري الذي يضم أغلب تيارات المعارضة والكثير من تنسيقيات الثورة، إلا أن اليسار السوري أيضاً يعيش حالة من عدم الاستقرار نظراً لانحياز بعض اليساريين إلى جانب النظام، أو اصطفاف المعارضين خلف هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير التي يرأسها حسن عبد العظيم، وتعاني من سوء فهم لخطابها من قبل جماهير الثورة السورية، إذ يرى هؤلاء أن هذه الهيئة تقدم هدايا مجانية للنظام، وتحاول أن تمنحه خشبة خلاص عبر تبني الدعوات للحوار.
ولكن في بلد تتداخل فيه الايديولوجيات وتتقاطع الأفكار والطوائف والأحزاب، يبدو أن الاسلاميين لن يحظوا بما حظي به أقرانهم في مصر وتونس وليبيا، وحتى في المغرب، نظراً لتعقيدات الوضع السوري، وغياب التنظيم الاسلامي في الداخل لسنوات طويلة تقارب العقود الثلاثة.
وقد ساهم في إضعاف الاسلاميين السوريين الراديكاليين في الداخل إعلان الكثير من الأحزاب والحركات الاسلامية، على امتداد السنوات الماضية، التحالف مع نظام الممانعة، و«الدفاع عنه في وجه محاولات استهدافه»، من القوى الصهيونية والأميركية.
مخاوف
لا يخفي أنصار التيار اليساري مخاوفهم من استمرار الوضع الراهن، والذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى اتساع رقعة القمع الدموي، وانقسام المجتمع طائفياً، ولذلك هم يرون ان خطابهم غير شعبي، ولكنه خطاب ضروري للخروج من الأزمة.
ويبقى إسلاميو الخارج الذي يمثلون «التيار الإخواني» الذي خاض حرباً دموية مع النظام في الثمانينات، أسفرت عن مذبحة حماة التي تقدر مصادر المعارضة عدد ضحايا بين 20 وثلاثين ألفاً، وهجرة أكثر من 200 ألف خارج البلاد، وقد عاد أبناء المهاجرين بقوة إلى المشهد السياسي السوري في حقبة الثورة، وبدا ان الكثير من هؤلاء يمثلون قادة إسلاميين مستقبليين في سوريا الديمقراطية.
