لن تعود تونس أبداً إلى ما كانت عليه قبل يوم 14 يناير الماضي، هكذا يرى اغلب المراقبين ممن يتابعون المشهد التونسي عن قرب، ويسجلون التحولات العميقة في الشارع التونسي خصوصاً بعد انتصار حركة النهضة في انتخابات 23 أكتوبر وفوزها بالمركز الأول من حيث عدد المقاعد النيابية بالمجلس الوطني التأسيسي، وانتشار الحركة السلفية، وقيام حزب التحرير الإسلامي بتوزيع مشروع دستور دولة الخلافة الذي يقول انه البديل الأنجع عن كل دستور آخر، والإعلان عن تأسيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى جانب ارتفاع بعض الأصوات التي تدعو إلى منع الاختلاط في الجامعات والمدارس ومواقع العمل وتحريم الفنون وإلغاء قانون منع تعدد الزوجات ومنع التبني وارتداء النقاب واعتبار أوروبا القريبة دار كفر.
وفي الوقت الذي يرى التونسيون ان دولة الحبيب بورقيبة الحداثية التي حررت المرأة وانفتحت على الغرب انتهت، أصبح هناك خوف حقيقي من قدرة المتشددين، رغم قلة عددهم، على أن يكونوا فاعلين في مجتمع لايزال يعيش حالة من الارتباك بعد ثورة 14 يناير، ففي الجامعة التونسية لاتزال المواجهات مفتوحة والاعتصامات مستمرة بسبب 63 طالبة منقبة من جملة 210 آلاف طالب وطالبة، ويكفي ان أربع طالبات تسببن في تعطيل الدروس لـ 23 ألف طالب بجامعة منوبة، عندما قام الطلبة السلفيون باقتحام كلية الآداب والفنون والانسانيات والاعتصام فيها، من أجل فرض النقاب، على المجلس العلمي الذي يرفضه لأسباب يقول إنها أمنية وأسباب تتعلق بطرائق التدريس.
النهضة: اعتدال وزلات لسان
استطاعت حركة النهضة الإسلامية أن تحقق أعلى نسبة من المقاعد داخل المجلس الوطني التأسيسي عندما فازت بـ 89 مقعدا
وبـ 18،5 في المئة من أصوات التونسيين المؤهلين للانتخاب، وهو ما يساوي مليون و 500 الف صوت، الأمر الذي أهلها للإعلان عن تكليفها سكرتيرها العام المهندس حمادي الجبالي بتشكيل الحكومة بعد اتفاق استراتيجي سابق على التحالف مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل و الحريات.
والجبالي الذي قضى 16 عاما في سجون العهد السابق، أثار ضجة في الأوساط السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد عندما قال في لقاء شعبي بمسقط رأسه مدينة سوسة، وهي مسقط رأس زين العابدين بن علي كذلك، إن البلاد دخلت مرحلة الخلافة السادسة، وفي حين حاول المقربون منه إقناع الرأي العام بأن المسألة مجرد زلة لسان أو انها جاءت في سياق غير ما فهمه الساسة، أخذ أعداء النهضة من الموضوع مطية للهجوم على الاسلاميين واتهامهم باعتماد خطاب مزدوج، وانهم يعلنون عكس ما يضمرون.
ازدواجية خطاب
وفي السياق، يقول الناطق باسم القطب الديمقراطي الحداثي الجنيدي عبدالجواد: «نحن أصبحنا نشك في قدرة الجبالي وفي كونه الشخص المناسب لقيادة الحكومة المقبلة، ونعتقد أن المجلس الوطني التأسيسي له الصلاحيات الكاملة لاختيار رئيس الحكومة المناسب الذي يدافع عن الشعب ويؤسس لجمهورية ثانية ديمقراطية». في حين قال الأمين العام لحزب العمال الشيوعي التونسي حمة الهمامي إن «خيارات النهضة الاقتصادية والديبلوماسية لا تختلف عن خيارات الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وخطاباتها تدعو إلى العودة إلى الوراء».
ويقول الامين العام لحزب آفاق تونس ياسين ابراهيم ان المواطن التونسي بات يشعر بالخوف من ازدواجية الخطاب لدى حركة النهضة، في حين أكد الناطق الرسمي باسم حركة الوطنيين الديمقراطيين شكري بالعيد: «كنا من الأوائل الذين رصدوا وكشفوا ازدواجية الخطاب لدى هذه الحركة بشكل مبكر، ونحن إزاء حركة تعتمد خطابا مزدوجا أساسه تعبئة القواعد بخطاب الخلافة الاسلامية وتكفير الديمقراطية وتقديم خطاب للنخب وللعموم يقوم على اساس القبول بقيم الجمهورية والديمقراطية».
تهديد النائبة
مسألة أخرى أشعلت فتيل الانتقاد ضد الإسلاميين وهي تصريحات سعاد عبدالرحيم الصيدلانية غير المحجبة التي فازت بمقعد داخل المجلس التأسيسي عن حركة النهضة، والمرشحة لتولي مهمة وزيرة المرأة وشؤون الأسرة في حكومة حمادي الجبالي، حيث تهجمت في برنامج إذاعي على الأمهات العزباوات واعتبرت وجودهن غير مرغوب فيه، وقادت بعض الجمعيات والمنظمات الحقوقية حرباً ضد سعاد عبدالرحيم قالت إنها وصلت إلى حد تهديدها بالقتل والحرق، وفي يوم افتتاح أعمال المجلس الوطني التأسيسي يوم 23 نوفمبر الماضي تعرضت إلى محاولة اعتداء بالعنف أمام مقر المجلس من قبل بعض الغاضبين.
الخوف من الانقلاب
ورغم ان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أعلن في أكثر من مناسبة أن لا نية للحركة في منع الخمور أو في فرض الحجاب أو في منع النساء من السباحة بملابس البحر أو في تقييد الحريات العامة بأي شكل من الأشكال، تخشى نسبة مهمة من التونسيين من انقلاب عن هذه الوعود، خصوصا بعد إصرار النهضويين على تولي الحكم والسيطرة على وزارات السيادة، وفرض رؤيتهم للنظام السياسي قبل صياغة الدستور، وذلك بتشكيل نظام برلماني يضع أغلب السلطات في يد رئيس الحكومة حمادي الجبالي مع إفراغ مهمة رئيس الدولة من أية صلاحيات، وهو أمر أدخل البلاد والنخب السياسية في حالة من الإرباك، حيث يعتقد عدد كبير من التونسيين أن سيطرة النهضة على وزارات الخارجية والداخلية والعدل والمصرف المركزي والتربية والثقافة يعني قدرتها على التغلغل في مسالك الدولة والإمساك بدهاليز السلطة بما سيؤثر في الانتخابات القادمة ومما قد يسارع بعملها على تغيير اسلوب عيش التونسيين.
هنا يؤكد القيادي في حركة النهضة عبدالجلاصي أن حركته ستدير الحكومة «بالتشارك و التوافق، لن نحيد عن مبدأ التوافق الذي التزمت به الحركة» قبل الانتخابات وبعدها. وأضاف الجلاصي: «نجزم بأن الالتزام بالأهداف التي من أجلها ثار الشعب التونسي هي أساس العملية السياسية وأساس كل تفاوض وتشاور، ومن ناحية أخرى سعينا إلى أن تكون هناك معادلة أو مزاوجة في توزيع الحقائب بين مبدأ التواصل او الاستمرارية كحتمية اقتصادية واجتماعية وأمنية، وبين مبدأ القطيعة مع إرث الماضي في سياساته وأساليبه ووجوهه وهو مطلب وطني ومجتمعي أكيد».
«النهضة» والسلفيون
قضية أخرى أحرجت حركة النهضة وهي ممارسات بعض السلفيين سواء في الشارع أو في الجامعات، حيث لم تستطع الحركة التنديد بها كما لم تستطع الاعلان عن تأييدها، ما جعل بعضهم يرى في الجماعة السلفية وجها آخر لـ«النهضة» رغم أن كل الادلة تؤكد الخلاف الجوهري بين حركة النهضة، التي تعتبر امتدادا للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وبين الحركة السلفية وبعضها لا يخفي انتماءه للسلفية الجهادية واقتداءه برموزها.
وينظر السلفيون في تونس الى الانتخابات على أنها كفر وإلى الديمقراطية على انها بدعة، ورغم أن بعضهم دعا قبل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي إلى التصويت لفائدة «الحزب الأقرب إلى دين الله».
ويسعى السلفيون التونسيون إلى إجبار الحكومة المقبلة على منع بيع الخمور وإغلاق الملاهي ودور المتعة واجبار النساء على ارتداء الحجاب أو النقاب وإعلان يوم الجمعة يوم عطلة رسمية بدل الأحد ومنع الاختلاط والتبرؤ من العلمانيين والليبيراليين ودعاة التغريب وإقامة الشريعة وإلغاء القوانين الوضعية ومجلة الاحوال الشخصية وإباحة تعدد الزوجات.
ويرى المراقبون للشأن التونسي أن حركة النهضة تضم في صفوقها أطيافا مختلفة تنعكس على قيادتها التي تنقسم بين صقور وحمائم، وبين متشددين ومعتدلين، غير أن ما يجمعهم هو الاطار الديمقراطي المعتمد بينهم وخاصة في اطار مجلس الشورى والمكتبين السياسي والتنفيذي.
حزب التحرير وخطوة النهضة
اما حزب التحرير فهو ما انفك يتغلغل في صفوف التونسيين وخاصة الشباب من خلال اعتماده على الدعوة لإقامة الخلافة الإسلامية، وتوزيعه لمشروع الدستور الاسلامي الذي أعده، والذي يجعل من تونس مجرد ولاية من ولايات دولة الخلافة، وينتظر حزب التحرير من الحكومة المقبلة التي سترأسها حركة النهضة الاسلامية أن تمنحه الاعتراف الرسمي والتصريح القانوني بممارسة نشاطه السياسي بعد ان امتنعت الحكومة المؤقتة عن ذلك. ويرى حزب التحرير أن لا قانون خارج الشريعة، ولا دولة خارج الخلافة، وان لا ولاية للمرأة، ويدعو الى اعتماد الذهب والفضة بدلا عن العملة.
استفادة من التشدد
يعتقد عالم الاجتماع التونسي د. مهدي المبروك أن حركة النهضة استفادت من السلفيين بتعبئة ما سماها «واجهات المواجهة» حيث تحتاجهم رمزيا؛ لإقناع خصومها ومناوئيها بأنها ناطق باسم أوسع ما يمكن من الطيف الاسلامي، وتحتاجهم لتشعر بالطمأنينة وكأنها أخوهم الأكبر الذي يستطيع جمعهم تحت جناحيه عند الحاجة.
ولا يستبعد المحلل السياسي والدبلوماسي عبدالله العبيدي أن تكون حركة النهضة وراء تحرك السلفيين بكلية الآداب والفنون والانسانيات بمنوبة «مثلما يمكن أن يكون لأعداء الاسلام يد في ذلك»، خصوصاً أن تونس اليوم، وفق رؤيته، «مفتوحة لجميع الاحتمالات ومخترقة على جميع الأصعدة ومن كل الجوانب».
الحركة الإسلامية من حلقات المساجد إلى مصادمة السلطة
حركة النهضة، حركة الاتجاه الإسلامي سابقاً، هي الحركة التاريخية التي تمثل التيار الإسلامي في تونس.
تأسست الحركة العام 1972 وأعلنت رسميا عن نفسها في 6 يناير 1981 ولم يتم الاعتراف بها كحزب سياسي في تونس إلا في 1 مارس 2011 من قبل حكومة محمد الغنوشي (2011) المؤقتة بعد مغادرة الرئيس زين العابدين بن علي البلاد على إثر اندلاع الثورة التونسية في 17 ديسمبر 2010.
ترجع بدايات الحركة، التي باتت في الوقت الحاضر من بين أهم الأحزاب السياسية في تونس، إلى أواخر الستينات تحت اسم الجماعة الإسلامية التي أقامت أول لقاءاتها التنظيمية بصفة سرية في أبريل 1972.
واقتصر نشاط الجماعة في البداية على الجانب الفكري من خلال إقامة حلقات في المساجد ومن خلال الانخراط في جمعيات المحافظة على القرآن الكريم.
لقي نشاط الجماعة في الأول ترحيبا ضمنيا من طرف الحزب الاشتراكي الدستوري، الحزب الواحد آنذاك، الذي رأى في الحركة الإسلامية سندا في مواجهة اليسار المهيمن وقتئذٍ على المعارضة. وفي العام 1974 سمح لأعضاء الجماعة بإصدار مجلة المعرفة التي أصبحت المنبر الفعلي لأفكار الحركة. في اغسطس 1979 أقيم بشكل سري المؤتمر المؤسس للجماعة الإسلامية تمت فيه المصادقة على قانونها الأساسي الذي انبنت على أساسه هيكلة التنظيم.
أقامت الجماعة مؤتمرها الثاني بشكل سري أيضا في مدينة سوسة يومي 9 و10 أبريل 1981 في نفس الفترة الذي عقد فيها الحزب الاشتراكي الدستوري مؤتمره الاستثنائي الذي أعلن فيه الرئيس الحبيب بورقيبة أنه لا يرى مانعا في وجود أحزاب أخرى إلى جانب الحزب الحاكم. أقر المؤتمر الثاني للحركة ضرورة اللجوء إلى العمل العلني كما أقر تغيير الاسم ليصبح حركة الاتجاه الإسلامي. وتم الإعلان عن الحركة بصفة علنية في 6 يناير 1981 أثناء مؤتمر صحافي عقده الغنوشي وعبدالفتاح مورو.
تقدمّت الحركة في اليوم نفسه بطلب للحصول على اعتماد رسمي دون أن تتلقى أي رد من السلطات. في 18 يوليو 1981 ألقت السلطات القبض على قيادات الحركة ليقدموا في شهر سبتمبر للمحاكمة بتهم: الانتماء إلى جمعية غير مرخص بها، النيل من كرامة رئيس الجمهورية، نشر أنباء كاذبة، توزيع منشورات معادية.
حكم على الغنوشي ومورو بالسجن عشر سنوات ولم يفرج عن الأول إلا في أغسطس 1984 إثر وساطة من الوزير الأول محمد مزالي في حين أطلق سراح الثاني العام 1983. شهد منتصف الثمانينات صعودا للحركة وتناميا للصدامات مع السلطة. شهدت الصدامات أوجها سنة 1987 مع الحكم على الغنوشي بالأشغال الشاقة مدى الحياة وإتهام الحكومة للحركة بالتورط في التفجيرات التي استهدفت أربعة فنادق في جهة الساحل.
