عكست التظاهرات الضخمة التي تشهدها القاهرة حالة من الاستقطاب والانقسام والفرقة الحادة التي لم يشهدها المشهد السياسي منذ تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، وأثارت مخاوف كبيرة لدى قطاع واسع من الشعب الذي لم تغادره حتى الآن هواجس تتعلق بالمستقبل.
فمن ميدان التحرير وسط العاصمة المصرية، حيث التظاهرة المليونية المعارضة للمجلس العسكري الحاكم إلى ميدان العباسية الذي احتشد للدفاع عنه مروراً بساحة الأزهر الشريف التي اختارته جماعة الإخوان المسلمين مكاناً للانتصار للمسجد الأقصى المبارك، في هروب مقصود ومتعمد، للابتعاد عن ترجيح كافة أحد المتصارعين، وعدم زيادة الأوضاع تعقيداً، سيطر على المصريين تساؤل بسيط: «ألا يوجد رجل رشيد يستطيع إخراج البلاد من هذه الأزمة السياسية الطاحنة والتي تبدو ان كل مخارجها مغلقة حتى إشعار آخر؟
اهتزاز الصورة
المجلس العسكري الذي يتعرض الآن لأكبر تحد منذ تسلم "تركة مبارك"، خصوصاً بعد اهتزاز صورته أمام الرأي العام إثر سقوط عشرات القتلى وآلاف الجرحى في المصادمات الأخيرة، طرح كمال الجنزوري الرجل الذي عايش فترة حكم الرئيس السابق وزيراً ورئيساً لحكومته، ويشهد له الجميع بنزاهة اليد ووطنيته الكبيرة، كرئيس للوزراء بصلاحيات رئيس جمهورية، عله يرضي الغاضبين في «التحرير» ويقنعهم بالانسحاب من الميدان، حتى تدور العجلة السياسية والاقتصادية المتوقفة في البلاد.
لكن الميدان لم يستقبل الجنزوري بفرحة أو هدوء، وإنما فتح نيرانه على الرجل قبل ان يبدأ حتى مشاوراته لتشكيل الحكومة الجديدة، وصد الباب في وجهه ما جعل مهمته غاية في التعقيد، لاسيما وان التجارب الأخيرة تثبت انه إذ لم يقتنع «التحرير» فلن تسير الأمور على ما يرام، والدليل ان رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق أجبر على المغادرة بإرادة الميدان، ورئيس الوزراء المستقيل عصام شرف تسلم منصبه وأجبر على تركه بإرادة الميدان أيضاً.
رد الصفعات
في الميدان يصر الثوار على التشدد في مطالبهم إلى أبعد مدى، ولا يتركون مجالًا للتفاوض لأنهم يشعرون في هذه اللحظة، بأنهم الأقوى على الأرض، وان الوقت حان لرد الصفعات التي تلقوها من المجلس العسكري على مدار الشهور التسعة الأخيرة، خصوصاً وان الأخير لم يتوان، من وجهة نظرهم، عن تشويه صورتهم لدى الرأي العام، وحملهم مسؤولية التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، وكأنه أراد معاقبتهم على إطاحتهم لمبارك، كما تعمد تجاهلهم في ترتيبات المرحلة السياسية المقبلة، مكتفياً بالتشاور مع الأحزاب والتيارات السياسية التي لم تشارك في الثورة.
قيادة جديدة
لم يكتف الميدان بذلك، بل طرح من جهته قيادة جديدة يرى أنها يجب ان تتسلم كامل الصلاحيات من المجلس العسكري، كان على رأسها المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والمرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية محمد البرادعي، وهو الشخص الذي لا ينظر إليه «العسكر» بارتياح كبير، لاسيما وانه دائم النقد لكل قراراتهم وسياساتهم وتوجهاتهم وإدارتهم للمرحلة الانتقالية.
وفي خضم هذه الأزمة السياسية المعقدة والمواقف المتباعدة لأطراف اللعبة، لا تبدو في الأفق ملامح انفراج قريب، وأمام هذا كله، لا يفارق المصريون الأمل في العثور على «رجل رشيد» يستطيع تجاوز تعقيدات المشهد وتفاصيله المركبة، ويساهم في نقل مصر من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة الديمقراطية التي يحلم بها الجميع.