تزامناً مع اقتراب موعد انتهاء المهلة الممنوحة للبنان من أجل تسديد حصته المالية للمحكمة الدولية، وفيما يستعد مجلس الوزراء لمواجهة هذا الاستحقاق قريباً، خطف رئيس المحكمة القاضي النيوزيلندي ديفيد باراغوانث المشهد، في اليومين الفائتين، خلال زيارته الرسمية إلى بيروت، والتي هي الأولى له منذ استلامه مهامه في أكتوبر 2011، ورافقه فيها نائبه القاضي اللبناني رالف رياشي.
وبدا واضحاً من اللغة التي استخدمها باراغوانث، خلال لقاءاته مع المسؤولين، أن الضغط الذي يمارس على لبنان منذ فترة لدفعه إلى تمويل المحكمة وصل إلى مرحلة متقدّمة، وتجلّت عبر تلويحه باللجوء إلى مجلس الأمن إذا لم يلتزم لبنان تمويل المحكمة، مما يعني عملياً التلويح بخيار العقوبات، في وقت أمهلت غرفة الدرجة الأولى في المحكمة السلطات اللبنانية لمتابعة جهودها بشأن توقيف المتهمين الأربعة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، والذين ينتمون إلى حزب الله، وذلك قبل بتّ الشروع بالمحاكمات الغيابية.
وفي حين لفت باراغوانث إلى مضيّ 11 شهراً على مهلة سداد لبنان حصّته في التمويل، ولقي جواباً من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، مفاده متابعة السبل الآيلة لإنجاز الملف تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب ضمن المهلة القانونية (قبل 15 ديسمبر المقبل)، فإن هذه القضية ستُناقش في جلسة يعقدها مجلس الوزراء يوم الأربعاء المقبل، علماً أن زيارة باراغوانث حملت العنوان البروتوكولي، لكن مضمونها انطوى على رسالة واضحة، فحواها أن عدم الالتزام بتسديد الحصة المالية المستحقّة للمحكمة سيدفع نحو إحالة الأمر إلى مجلس الأمن الدولي، مع ما يعنيه ذلك من إمكانية فرض عقوبات على لبنان، فيما سمع الزائر من المسؤولين وجوب أن تعمل المحكمة بعيداً عن الاستنساب، مع التزام لبنان بالقرارات الدولية، ومنها قرار إنشاء المحكمة وتمويلها، مقروناً بالتشديد على وجوب عدم تسييس عمل المحكمة وضرورة فتح باب كل الاحتمالات والفرضيات خلال المحاكمات.
في المحصّلة، واستناداً إلى معلومات توافرت لـ «البيان»، حملت زيارة رئيس المحكمة الدولية للبنان ثلاثة عناوين بالغة الأهمية، وهي: أولاً، إن تلكّؤ لبنان من تسديد حصته في موازنة المحكمة (49 في المئة من رأس المال) بعد انتهاء المهلة المحدّدة في الأسبوع الثالث من ديسمبر المقبل سيؤدّي حكماً إلى إحالة مجمل الملف إلى مجلس الأمن الدولي، الذي سيدرس كل الاحتمالات والخيارات. ثانياً، إن الدول الراعية للمحكمة أعادت التأكيد للمسؤولين المعنيين فيها أن مسارها ثابت غير قابل للتطويع أو الانحراف أو العودة الى الوراء مهما كانت الظروف، وبصرف النظر عن أي تطورات على مستوى المنطقة، أما العنوان الثالث، فيتمثل بكون المسار الزمني للمحاكمات محدّد بـثلاث سنوات، بمعنى أن النطق بالحكم النهائي يحتاج إلى ثلاث سنوات من تاريخ بدء آليات المحاكمة.
قضية التجسس
إلى ذلك، انشغل لبنان بقضية جوهريّة أخرى، تتعلّق بالإقرار الأميركي الرسمي بوجود محطة للاستخبارات الأميركية المركزية (سي آي إيه) في بيروت تمارس أعمال التجسّس بغطاء دبلوماسي منطلقه السفارة الأميركية في منطقة عوكر.
وأول ردود الفعل على الاعتداء كان بقرار الحكومة اللبنانية استدعاء السفيرة الأميركية مورا كونيللي، لاستيضاحها حول حقيقة الأنباء المتصلة بالتجسّس في لبنان، على أن يبقى الملف عنوان المرحلة على أكثر من مستوى.