في مشهد غير مسبوق في سوريا، ونتيجة لفرض الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية عقوبات اقتصادية طالت قطاع النفط والغاز، وجد المواطن السوري نفسه بعد أكثر من ثمانية أشهر على الاحتجاجات الشعبية يخوض صراعاً على الحياة من أجل البقاء في ظل استفحال الأزمة الاقتصادية وتأثيرها في معظم قطاعات الدولة وعلى رأسها قطاعات النفط والغاز والمواد الاستهلاكية.
وما زاد الأمر سوءاً وتعرض سوريا لموجة قاسية من البرد في ظل نفاذ وقود التدفئة واستمرار انقطاع التيار الكهربائي في بعض المدن والمحافظات والذي قد يطول أحيانا لثلاثة أيام متواصلة أو أكثر.
ولدى المرور في الطرقات العامة يمكن رؤية عدد كبير من السيارات في أرتال طويلة واصطفاف طوابير من الناس ردحاً طويلاً وهم يحملون في أيديهم غالونات واسطوانات غاز فارغة وينتظرون أمام محطات الوقود ومحلات الغاز لعلهم يحصلون على ما يكفيهم من الوقود ليتمكنوا من توفير ما يقيهم مع أطفالهم من البرد القارس. وغالباً ما ينتج من هذا الانتظار موجة من الغضب لا تخلو من حالات شتم وعراك بين المواطنين نتيجة المزاحمة والخوف من نفاد الكمية البسيطة المخصصة للتوزيع.
أزمة على الرغم من النفي
و على الرغم من تصريحات وزير النفط والثروة المعدنية في سوريا سفيان العلا أن مادة المازوت والغاز متوفرة في الأسواق وأن الإنتاج المحلي من مصافي التكرير يغطي احتياجات السوق المحلية من المازوت، إلا أن الحقيقة تشير إلى عكس ذلك في الشارع السوري.
ويقول المواطن تامر حسين (35 عاما) الذي يحمل في يده غالونا فارغا يتسع لـ20 لتراً، إنه «منذ أكثر من أربع ساعات وأنا أقف في الطابور على أمل أن أحصل على كمية قليلة من المازوت».
ويضيف: «هذه الكمية لا تكفيني يومين لسد احتياجاتي من التدفئة المنزلية، ولكن بمجرد وصولي أعلن المسؤول في المحطة عن نفاد المازوت، و بالتالي عليّ البحث في محطات وقود أخرى تبعد عن منطقة سكني عشرات الكليومترات، علّي ان أنال بضعة لترات من المازوت». ويشير إلى أن في انتظاره بالبيت طفله الرضيع الذي دخل في شهره التاسع الذي يجب عليه توفير سرير دافئ له.
أزمة مفتعلة
ويؤكد منير ( 43 عاماً)، الذي رفض الإفصاح عن هويته الكاملة، أن أزمة المازوت والغاز مفتعلة من قبل النظام لكسر إرادة المنتفضين والمتظاهرين وخاصة أن الكميات الكبيرة التي كان يتم تصديرها إلى الخارج توقفت بشكل كامل نتيجة فرض العقوبات على سوريا، لافتاً إلى ان ما يروجون له حول انخفاض مادة المازوت والغاز ليس صحيحاً، بل إنها تذهب إلى تشغيل الآلة العسكرية التي تقصف وتقتل.
وبحسب التقديرات الحكومية تحتاج الأسرة السورية ما بين 500 إلى 2500 لتر من المازوت، حسب طبيعة المحافظات السورية في فصل الشتاء. ففي المناطق الجبلية كمحافظة السويداء والقنيطرة الواقعتين في الجنوب والغرب من سوريا وبعض المدن الأخرى تحتاج العائلة المقيمة في منزل واحد إلى أكثر من 2500 لتر في فصل الشتاء، أما في المحافظات الساحلية والداخلية والشرقية فمتوسط الاستهلاك المنزلي من المازوت لا يتجاوز 500 لتر.
مدافئ الحطب
ولكن مع شح مادة المازوت وانخفاض درجات الحرارة، توجه السواد الأعظم من الشرائح الفقيرة والريفية إلى استخدام مدافئ الحطب التي بات الاعتماد عليها كأسلوب للتدفئة ينتشر بكثافة في معظم المناطق الريفية حتى أصبح الحديث عنها يأخذ بعداً اجتماعياً وتاريخياً يعيد الناس إلى ذكريات الحياة القديمة التي لم يعاصرها غير كبار السن. ويقول مصطفى (47 عاماً) الذي يعمل في الخياطة ويعيش في إحدى المناطق العشوائية بمدينة حلب ان «مدينة حلب وريفها كانت من المناطق التي تجرعت نصيبها من تفاقم الأزمة الاقتصادية وعلى رأسها ندرة المازوت والغاز والغلاء في أسعار المواد التموينية، ومع تفاقم الأزمة بشكل غير منطقي انعدمت الخيارات لدى الناس لمجابهة قسوة الشتاء»، مشيراً إلى ان هذا ما أجبر الكثيرين على العيش بنمط الحياة التقليدية والعودة إلى استخدام مدافئ الحطب في حال توفرها بالأسواق.
نزوح إلى الريف
ولم تقتصر تأثيرات هذه الأزمة في ابتكار وسائل التدفئة فقط، بل طالت تغيير أماكن العيش، وخاصة من المدن التي تنحسر فيها البدائل عندما تنقطع الخدمات باتجاه الريف.
ويقول هيثم حوراني (39عاماً) انه هجر بيته في العاصمة دمشق تاركاً وراءه معاناة أهل المدينة البرودة والغلاء، وقصد قريته في ريف دمشق لقضاء موسم الشتاء فيها على أمل أن ينتهي الواقع المرير الذي تمر به البلاد قريباً، موضحاً أنه عانى مع أسرته في الأيام الأولى الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، كما كان واقع الحال في معظم الأحياء بدمشق، ما اضطره وأسرته، وغيرهم، إلى التكيف مع الأدوات التقليدية البسيطة كاستخدام المصابيح القديمة من أجل الإنارة واللجوء إلى مدافئ الحطب للتدفئة وتوظيفه بدلاً من اسطوانة الغاز في شؤون طهي الطعام وغلي المياه.
ويضيف ان «العيش بهذه الطريقة يعيدني إلى طبيعة حياة القرون الوسطى وأكاد أنسى أني أنتمي إلى القرن الحادي والعشرين».