بعد طول انتظار، وقع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، وبرعاية ملكية سعودية، وبحضور سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني ووزراء دول المجلس، المبادرة الخليجية لنقل السلطة في اليمن وآليتها التنفيذية، وعلى اتفاق نقل السلطة، وهو ما قوبل في ميادين الاحتجاج في داخل اليمن بالرفض وإن عمّت الفرحة الميادين.
وإذ يفتح هذا التوقيع الباب أمام نهاية الأزمة الحادة التي يشهدها اليمن منذ اكثر من عشرة شهور، اعتبر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز أن صفحة جديدة تبدأ في تاريخ اليمن، مؤكداً وقوف بلاده إلى جانب اليمنيين، في حين اعلن الرئيس صالح، الذي أصر على أن ما يشهده اليمن وأقطار عربية أخرى مؤامرة، استعداده للشراكة والتعاون لإنجاح تطبيق المبادرة، وسط تقارير، مصدرها الأمين العام للأمم لمتحدة بان كي مون، أن صالح سيطير إلى نيويورك لتلقي العلاج في الولايات المتحدة الأميركية.
ووقع صالح على المبادرة بحضور خادم الحرمين الشريفين، كما وقع عليها سمو الشيخ عبدالله بن زايد، كما وقع ممثلون عن حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم وعن المعارضة الآلية التنفيذية للمبادرة.
وقال العاهل السعودي خلال مراسم حفل التوقيع ان صفحة جديدة تبدأ في تاريخ هذا البلد. وأضاف الملك مخاطبا القادة اليمنيين بحضور وزراء خارجية دول خليجية: «اليوم تبدأ صفحة جديدة من تاريخكم»، وشدّد على أن «استقرار اليمن مسؤولية جميع الأطراف».
ودعا الملك عبدالله اليمنيين إلى «تحكيم العقل، ونبذ الفرقة، وجمع الكلمة». ونبّه إلى أن هذه «الصفحة الجديدة تحتاج اليقظة وإدراك المصالح وتحديد الأهداف»، لافتاً إلى أن «الحرية بكل أشكالها لا يمكن لها أن تستقيم دون المسؤولية». وأضاف: «إن اختلفا فإن النتيجة لذلك هي الفوضى في متاهات لا يعلمها غير الحق جل جلاله»، داعيا إياهم إلى نسيان الماضي والتسامح.
وأردف الملك عبدالله القول: «سيبقى وطنكم المملكة العربية السعودية كما كان في الماضي عوناً لكم بعد الله، وهذا يستدعي منكم مواجهة التحديات القادمة بحكمة وصدق وشفافية. وليكن طريقكم إلى ذلك الصبر والعمل، وبدون ذلك لا مجال لتحقيق آمالكم وطموحاتكم وأهدافكم النبيلة».
مستعد للتعاون
من جانبه، أعلن الرئيس صالح استعداده للشراكة والتعاون لإنجاح تطبيق المبادرة الخليجية.
وأضاف: «ليس المهم هو التوقيع على المبادرة، إنما حسن النوايا وبدء العمل، (إني) على استعداد لشراكة حقيقية لبناء ما خلفته الأزمة وسأتعاون مع الحكومة المقبلة لإنجاح المبادرة». وأردف القول: «ليس المهم هو التوقيع على المبادرة إنما حسن النوايا والبدء بعمل جاد ومخلص لشراكة حقيقية في إعادة بناء ما خلفته الأزمة خلال عشرة أشهر، سأكون من المتعاونين الرئيسيين مع حكومة الائتلاف» التي ستتشكل من المعارضة والمؤتمر الشعبي العام الحاكم.
وندد بالحركة الاحتجاجية قائلا إن «الانقلاب منذ عشرة أشهر زهقت فيه أرواح اكثر من 1150 من العسكريين والقوات المسلحة والمدنيين، ولا حرج بسبب الوصول إلى السلطة».
وتساءل صالح: «لماذا لم نبدأ منذ وقت مبكر قبل زهق الأرواح ونبحث الشراكة؟... ها نحن اليوم نرحب بها مع المعارضة في شراكة لإدارة البلاد وإعادة بناء ما خلفته الأزمة». وأشار إلى «المؤامرة الكبيرة، واستطيع القول الفضيحة التي حدثت في جامع دار الرئاسة بصنعاء، لقد كان الصهاينة أهون منا نحن في الدول العربية والإسلامية عندما عقدوا العزم على تصفية الشيخ احمد ياسين وتركوه حتى خرج من الجامع ليقتلوه». وندد بـ «ثقافة دخيلة على وطننا العربي، وهي رياح هبت من المغرب الى المشرق، إنها ثقافة تأثيرية وليست ثقافة برامجية أو أجندة خاصة بالمنطقة، لكنها أجندة خارجية ننفذها نحن العرب والمسلمين».
الزياني: لحظة فاصلة
ووصف الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية د. عبد اللطيف بن راشد الزياني في كلمة بالمناسبة ما جرى أمس في الرياض بـ «لحظة تاريخية فاصلة».
ودعا إلى المصالحة والوفاق بين الفرقاء. وقال: «قلوبنا تنبض بحب اليمن العزيز وشعبه الأصيل الكريم وأكفنا مرفوعة إلى المولى العزيز القدير بالشكر والحمد والثناء على أن وفق الجهود الخيرة لمجلس التعاون إلى هذه النهاية العظيمة، التي نأمل أن توقف إراقة دماء الشعب اليمني الشقيق لينعم بالأمن والاستقرار».
وبموجب هذه الآلية التنفيذية، يسلم صالح صلاحياته الى نائبه عبدربّه منصور هادي ويبقى رئيسا شرفيا لمدة 90 يوما، على ان تشكل حكومة وحدة وطنية برئاسة شخصية من المعارضة، الى جانب الدعوة الى إجراء انتخابات رئاسة مبكرة في غضون ثلاثة أشهر.
وتتضمن المرحلة الأولى تسليم الرئيس اليمني، الذي سيحتفظ خلالها بلقبه كرئيس لحين انتخاب الرئيس الجديد لليمن، صلاحياته الدستورية إلى نائبه أما المعارضة فيتعين عليها ان تقدم فورا بعد التوقيع على الآلية، مرشحها لرئاسة حكومة الوفاق الوطني التي ستتألف بمشاركة الحزب الحاكم والمعارضة.
وتنص الآلية التنفيذية على ان يقدم الحزب الحاكم والمعارضة اسماء مرشحيهم لحكومة الوحدة في غضون اسبوع.
وفي 29 نوفمبر، تقدم الى البرلمان صيغة الضمانات التي تمنح الرئيس صالح ومعاونيه حصانة من الملاحقة القانونية. وفور إقرار هذه الضمانات من قبل البرلمان، يدعو نائب الرئيس إلى انتخابات رئاسية مبكرة في غضون 90 يوما، على ان تكون هذه الانتخابات توافقية يتم فيها انتخاب عبد ربه منصور هادي رئيسا لمدة سنتين.
كما يفترض ان تشكل لجنة برئاسة نائب الرئيس اليمني تهتم بإعادة هيكلة القوات المسلحة وبإزالة المظاهر المسلحة من الشارع.
وبعد الانتخابات الرئاسية المبكرة، تبدأ المرحلة الانتقالية الثانية التي تستمر سنتين، ويتم خلالها إجراء حوار وطني شامل لحل مشاكل اليمن الكبيرة، لا سيما القضية الجنوبية (مطالب الحراك الجنوبي بالانفصال). وتنتهي هذه المرحلة الثانية بانتخابات رئاسية وبرلمانية عامة.
على الهامش
رفض الزياني
قال دبلوماسيون ومسؤولون في المعارضة إن صالح سافر الى السعودية لأن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبداللطيف الزياني رفض الذهاب الى صنعاء لحضور مراسم التوقيع.
وقال مسؤولون ان الزياني شعر بالحرج من قبل عندما أبقى صالح شخصيات كبيرة تنتظر قبل أن يرفض توقيع المبادرة.
حوار
قال المبعوث الدولي الخاص إلى اليمن جمال بن عمر ان حوارا وطنيا سيجرى خلال الفترة الانتقالية التي تستمر عامين وتنتهي بمراجعة الدستور.
وأضاف بن عمر أنه بمجرد توقيع الاتفاق فإن ذلك سيمثل خطوة مهمة لشعب اليمن لحل الأزمة السياسية والتقدم بالبلاد نحو مستقبل أفضل.
إجراءات عقابية
كشف بن عمر في مؤتمر صحافي عقده في صنعاء قبيل توجهه إلى الرياض ان مجلس الأمن الدولي سيتخذ إجراءات ضد أي طرف يعرقل تنفيذ الاتفاق.
ترحيب بريطاني
رحّب وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ بالتوقيع، وقال إن هذا الحدث «سيعطي الأمل للشعب اليمني بأن التغيير في بلاده ممكن».
وأضاف هيغ: «ندعو الآن جميع القادة والقوى السياسية في اليمن إلى الالتزام بانتقال سياسي سلمي ومنظم، كما نحثّ كلاً من أنصار الرئيس صالح والمعارضة على اغتنام الفرصة والامتثال الكامل لقرار مجلس الأمن 2014، وسنقوم بمراجعة التقدم في هذا المجال مع الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن الدولي في الأيام المقبلة».
وقال وزير الخارجية البريطاني إن الشعب اليمني «عانى لفترة طويلة جداً، والحكومة البريطانية ملتزمة بمساعدته على مواجهة العديد من التحديات التي ينطوي عليها هذا التحول».
خطوة مهمة
رحبت الولايات المتحدة بالتوقيع على اتفاق وافق بموجبه الرئيس صالح على تسليم السلطة التي يتولاها منذ 33 عاماً.
وقال الناطق باسم وزارة الخارجية مارك تونر إن الولايات المتحدة ترحب باتفاق الحكومة والمعارضة على الانتقال السلمي والمنظم للسلطة، مضيفاً أن الاتفاق يعتبر «خطوة مهمة للشعب اليمني».
الشباب المحتجون يرفضون خطة انتقال السلطة ويدعون للتصعيد
أكد الشباب المحتجون المعتصمون في ساحة التغيير في صنعاء رفضهم لاتفاق نقل السلطة، واصرارهم على محاكمة الرئيس علي صالح، ووصفوا الاتفاق بأنه حيلة.
وأكد المسؤول الإعلامي في اللجنة التنظيمية لشباب الثورة السلمية وليد العماري الدعوة الى مسيرة مليونية تصعيدية لرفض التوقيع على المبادرة الخليجية، التي قال انها لا تعني الشباب.
إلى ذلك، افاد مراسلون صحافيون إلى أن حالة من الغليان تسود ساحة التغيير منذ التوقيع في الرياض على اتفاق نقل السلطة، الذي منح الرئيس اليمني خروجا مشرفا وحصانة من الملاحقة القانونية. وهتف المتظاهرون: «لا حصانة لا ضمانة، لعلي صالح وأعوانه». وجدد المتظاهرون على تمسكهم بخيار المحاكمة للرئيس صالح وأولاده وأركان نظامه، لاتهامهم بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية»، وطالبوا بإحالة ملف صالح ونظامه إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وقال العماري في هذا السياق ان «المبادرة الخليجية لا تعنينا ولن نتزحزح من الساحات حتى يتم تحقيق كامل اهداف الثورة التي خرجنا من اجلها، وخصوصا محاكمة صالح وبقايا النظام».
من جهته، توقع الناطق باسم أحزاب اللقاء المشترك المعارضة محمد قحطان عدم مغادرة الشباب المحتجين من الساحات مع توقيع صالح على اتفاق نقل السلطة.
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن قحطان قوله رداً على سؤال بشأن ما إذا كان المحتجون سيغادرون ساحات الاعتصام التي يتواجدون فيها منذ شهور بعد توقيع اتفاق السلطة: «لا، فالشارع لا يقبل أصلا المبادرة الخليجية».
واضاف قحطان، الذي كان متواجدا في شارع الستين في صنعاء حيث يتظاهر المحتجون، إن «الناس لن يذهبوا إلى بيوتهم قبل انتهاء الفترة الشرفية»، في إشارة الى فترة التسعين يوما التي يفترض ان يبقى فيها صالح رئيسا شرفيا لليمن، وتنتهي بانتخابات رئاسية توافقية مبكرة.
كما قال قحطان انه «سيكون هناك بالطبع خلاف مع الشباب حول مسألة الحصانة القانونية التي سيحصل عليها الرئيس بموجب المبادرة الخليجية، فهم يطالبون بمحاكمته».



