الدخول الى ميدان التحرير في ليالي الانتفاضة الشعبية والثورة، ليس بالأمر الهين اذ عليك الوقوف في طابور طويل أمام «حماة الميدان» أو اللجان الشعبية المكونة من شباب في عمر الزهور، مهمتهم يقولونها لك ببساطة وبابتسامة: «نحن هنا لنضمن سلامتك وسلامة الثوار».. ومن فضلك «أخرج بطاقتك لنتأكد من هويتك فقط» وافتح «حقيبتك لكي لا يكون بداخلها اي شيء خطر».. تفضل انت الآن في «قلب الحدث».

الاعلام المصرية ترافقك اينما تجولت. تجدها على جنبات الطرق وفوق أعمدة الانارة وفي ايدي الناس الذين يتغيرون بنسبة 100 في المئة عندما يكونون في الميدان.. تراهم أقرب الى «يوتوبيا» افلاطون .. فكل شيء مثالي.. لا تتعرض للسرقة أو التعدي باللفظ أو تسمع شتائم جارحة تخدش الحياء.

وفي حلقات صغيرة تشبه حلقات «الذكر الصوفي».. يتجمع الناس ويهتفون بحرارة «الشعب يريد اسقاط النظام.. الشعب يريد استرداد الثورة».. ثم يأتي من بعيد صوت أم كلثوم الصافي الملهب للمشاعر «أنا الشعب لا أعرف المستحيلا .. ولا أرتضي بالخلود بديلا.. بلادي مفتوحة كالسماء.. تضم الصديق وتمحو الدخيلا .. انا الشعب، شعب العلا والنضال أحب السلام، أخوض القتال ومنى الحقيقة.. منى الخيال!! وعندي الجمال، وعندي آمال».

خطوط النار

تبعد قليلا عن حلقات «الذكر الثوري»، لتكتشف ان الميدان يشبه خلية النحل.. يتقاسم الجميع فيه الادوار.. أصعبها على «خطوط النار» الامامية، وبالتحديد شارع محمد محمود الذي بات أرضا لمعركة حامية، قتل واصيب فيها المئات برصاص جنود الشرطة والجيش، الذين يتعاملون بكل قوة وعنف مع اي محاولة لاقتحام مبنى وزارة الداخلية القريب من الميدان.

في خطوط النار الأمامية، يتسلح الثوار باسلحة حديثة للغاية.. طوب وحجارة تم الحصول عليها في الحال عبر تكسير أرصفة في المكان، وتم شحنها لهم في «بطانية» حملها متطوعون مهمتهم امداد الجبهة بالعتاد اللازم لمنع قوات الامن من اقتحام الميدان.

استرداد الثورة

الوجوه الشبابية التي عرفها الناس في ثورة 25 يناير تراهم جميعا في الميدان..ناصر عبد الحميد وشادي الغزالي حرب وزياد العليمي ومحمد القصاص ..وغيرهم، عادوا من جديد مع نفس الوجوه الشبابية التي فجرت الثورة في يناير الماضي وأجبرت حسني مبارك على التنحي في 11 فبراير.

تسألهم لماذا عدتم؟ يقولون «لقد تعرضنا للسرقة ..سرقت ثورتنا وتم تشويهها وتشويه انجازنا التاريخي، والآن نحن نسترد ما سرق منا ولن نغادر الميدان قبل تحقيق أهداف الثورة .. لن نتركها للمجلس العسكري، ولا القوى السياسية التي يسيل لعابها على الفتات .. لن نسمح بعد الآن بان يرمى مصري في الزبالة».

ليس هذا رأي شباب الثورة وحدهم، ولكن عامة الناس في الميدان، الذين أثر فيهم منظر التعدي على الجثث من جانب قوات الامن، وقرروا النزول الى الميدان وعدم الخروج منه، الا بعد الحصول على خريطة طريق حقيقية تنهي الى الابد «حكم العسكر» القائم منذ عام 1952.

الموتوسيكل الطائر!!

في الحالات الطبية الحرجة، يجري استخدام طائرة الاخلاء الطبي، لكن في الميدان لا توجد طائرة.. بل يوجد موتوسيكل (دراجة بخارية) صغير صيني الصنع مهمته حيوية للغاية، وهي نقل المصاب على خطوط النار الامامية الى المستشفى الميداني في قلب الميدان. طريقة النقل مبتكرة فالموتوسيكل قائد وخلفه راكب وبينهما المصاب وفي ظرف دقائق معدودة يصل المصاب الى المستشفى الميداني.

والمستشفى الميداني عبارة عن خيمة من قماش بسيط، مزينة بشعارات ثورية، ويعمل بداخلها متطوعون من أطباء وممرضات وطلاب في كليات الطب قيد الدراسة.. يمدهم الاهالي بالادوية والاسعافات الاولية، ومهمتهم تطهير الجروح وتخييطها.. والحالات الحرجة تنقل عبر سيارة الاسعاف الى المستشفيات العامة خارج الميدان.