قوبل إعلان تحرير ليبيا في 23 أكتوبر بالابتهاج ليس فقط من قبل الحشود التي تجمعت في ساحة بنغازي ولكن أيضاً من جانب السياسيين الغربيين ولا سيما من بريطانيا وفرنسا ومهندسي عملية حلف شمال الأطلسي في ليبيا. إلا أن هذا الابتهاج خفّ بسرعة، ومع ذلك فعلينا الاعتراف أن بعض أصعب الأيام ربّما لم يأت بعد.
وأخيراً، حذرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست» من أن الليبيين يواجهون اليوم «مهمة سياسية معقّدة للغاية وأنهم سيحتاجون إلى التوفيق بين الخصومات التي كانت موجودة دائما بين الغرب والشرق، بين بنغازي وطرابلس».
هذه الصورة لليبيا كدولة منقسمة إلى فصائل في تداول واسع، وحتى المجلس الانتقالي الوطني الليبي نفسه هو مزيج من مجموعة متباينة، عناصر منشقة وإسلاميين وعلمانيين ومغتربين وبربر.
أثناء القتال في ليبيا صوّر المجلس الانتقالي نفسه على أنه صورة للوحدة الوطنية في حين أن الانقسامات في صفوف المتمردين تظهر الخلل في قشرة الأخوة. فالاغتيال غير المبرر لوزير الداخلية الأسبق الجنرال عبدالفتاح يونس بعد انضمامه للمتمردين ربما يعد المثال الأكثر تطرفا لتلك المنافسات.
ومع ذلك، كانت الفصائل المتناحرة لمصالحها الفردية تخضع وراء الهدف الأكبر المتمثل في تحرير البلاد. الآن وقد تحقّق هذا الانتصار فإن صياغة جدول أعمال مشترك في ليبيا يثبت أنه اختبار صعب. ورغم أن المجلس الوطني الانتقالي كان قادراً على انتخاب رئيس وزراء مؤقت فإن الصراع مرجح أن يطول حول كيفية تقسيم منصف للجميع في المناصب الوزارية المهمة. والقليل هم من قلّلوا من شأن التحديات التي تواجهها ليبيا في بناء نظام عمل سياسي جديد. ولكن في كثير من النواحي فإن الوضع الأمني في ليبيا لا يزال القضية الأكثر إلحاحاً، فانهيار في النظام العام يمكن أن يهدد جهود إعادة بناء البلد سياسياً وأمنياً واقتصادياً. لأن الحكومة المؤقتة غير قادرة على توسيع نطاق نفوذها في كل أنحاء ليبيا.
إقطاعيات خاصة
والسيناريو الذي قد ينشأ هو أن القادة المحليين سيحاولون بطموح إقامة إقطاعيات خاصة بهم باستخدام الميليشيات التي فرخت خلال الثورة لمحو المنافسين. في حين تبدو سيطرة المجلس الانتقالي على الميليشيات، واهنة في أحسن الأحوال. فالميليشيات مكونة إلى حد كبير من مقاتلي تنظيمات محلية مسلحة، وغالبا ما تقدم تقاريرها إلى المجالس العسكرية التي شكلت محلياً بدلاً من تقديمها إلى المجلس الانتقالي.
وحتى الآن، كانت الحكومة المؤقتة غير قادرة على ممارسة سلطتها على كامل ليبيا المليئة بالسلاح. بل هناك دلائل على التوتر وانعدام الثقة بين التشكيلات الثورية الأكثر تنظيما من بنغازي ومصراتة، حيث لعبت هذه الأخيرة دوراً رئيسياً في السيطرة على طرابلس وسرت والتلويح للقيام بدور مركزي في النظام السياسي الجديد.
تنافس الفصائل
وبالمثل، فإن التنافس بين الميليشيات في طرابلس قد يكون متفجراً. فالعديد من المقاتلين في العاصمة يرفضون الاعتراف بالقيادة العسكرية للمجلس الانتقالي حيث أعلن كل من عبدالكريم بلحاج وعبدالله ناكير في الثاني من أكتوبر الماضي عن تشكيل المجلس الثوري والذي أدعيا أنه يمتلك شرعية أكبر في طرابلس. وبينما يعترف العديد من المراقبين بخطر تقويض تنافس الفصائل، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي مسلح جهود التقدم في ليبيا، فإن العديد من المراقبين قدّروا هذا الخطر خلال الشهور التي سبقت سقوط نظام القذافي. في شهر أغسطس من هذا العام قال تقرير لمجلس العلاقات الخارجية إن ولادة حكومة ناجحة خلفا للقذافي في حاجة لإنشاء قوة شرطة شبه عسكرية قوامها 3000 للحفاظ على الأمن العام في فترة ما بعد التحرير، في حين قال المجلس الانتقالي الليبي إنه بعد تأمين الجيوب المتبقية القليلة من الموالين للقذافي فإنها ستنقل الآلاف من المقاتلين المتمردين إلى قوات الأمن التي تسيطر عليها الحكومة الانتقالية. حتى الآن لا تزال البلاد تزخر بالشواهد الدالة على متطوعي الثورة المسلحة حيث تخلى قادتهم مؤخرا عن تعهدهم بترك السلاح. ويقولون الآن انهم يريدون الحفاظ على استقلاليتها.
وسائل احتكار
الحكومة الشرعية المدنية في ليبيا تحتاج في نهاية المطاف إلى إنشاء وسائل احتكار للعنف في البلاد. خلاف ذلك، فإن الحكومة المؤقتة عليها أن تكون في موقع المسؤولية دون رقابة حقيقية. ولكن ينبغي أن لا تدفع الحكومة بشدة وبسرعة كبيرة للميليشيات، لا سيما تلك التي لها خط مستقل، لتتماشى مع جدول الأعمال المركزي للمجلس الانتقالي الليبي. فقد يقود ذلك لمقاومة شديدة حيث يرى هؤلاء ذلك تعديا على استقلالهم. البعض يتوقع صراعا جديدا. تقترب تلك التوقعات من 50 في المئة من إمكانية الحدوث. عموما، قد يكون من الأفضل للحكومة الانتقالية أن تركز بدلا من ذلك على زيادة شرعيتها خارج مدينة بنغازي، وبناء قوات الأمن الوطني بطريقة خطوة بخطوة.
بقلم آشر وسيتر باحث مشارك في مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري «إنيغما»