وسط توتر واحتقان سياسي لم يسبق له مثيل في الحياة السياسية الكويتية، بسبب الخلاف الحكومي النيابي الذي بلغ ذروته مع «الإيداعات المليونية»، التي افضت الى توسيع قاعدة المعارضة وتوحيدها ضد حكومة الشيخ ناصر المحمد، لتصل الى نحو نصف أعضاء البرلمان المكون من 50 نائبا ناقص 1، وهو الوزير المحلل، إضافة الى تظاهرات طالبت أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح بحل الحكومة والبرلمان معا، والدعوة لانتخابات جديدة، يلتئم البرلمان مجددا منتصف الأسبوع الجاري بعد عطلة عيد الأضحى، على وقع الاستجواب، الذي سيمثل المعركة الأشرس في تاريخ الصراع السياسي بين البرلمان والحكومة، والتي وصلت معه الى مرحلة كسر العظم.

هدوء العاصفة

ورغم السكون النسبي الذي ساد العلاقة بين السلطتين خلال الايام الماضية، إلا أن جميع المعطيات التي سبقت تلك الأيام تدل عل ى أن هذا الهدوء لا يعدو كونه هدوءا يسبق العاصفة، وأن الأيام والأسابيع المقبلة ستشهد أحداثا دراماتيكية، ومفاجآت متتالية تغير شكل وتوجهات العمل السياسي، خاصة أن محركها الرئيس كتلة «المعارضة» التي تتحرك بدفع من الشارع الذي يغلي منذ عدة شهور.

كما أن انطلاقة دور الانعقاد الحالي قبيل عطلة عيد الأضحى، ورغم انها جلسة واحدة، إلا انها حملت معطيات وظواهر عديدة لم تشهدها الحياة السياسية من قبل، وهي انسحاب ومقاطعة عدد كبير من النواب عن التصويت على تشكيل اللجان واختيارها، وتشكيل كتلة من غير أعضاء كتلة «العمل الشعبي» وكتلة «التنمية والإصلاح»، أطلق عليها كتلة «المعارضة»، وهو ما ضاعف من توتر العلاقة بين نواب «المعارضة» ونواب «الموالاة» من جهة، وبين «المعارضة» والحكومة من جهة أخرى.

احتقان سياسي

ويؤكد النائب علي الدقباسي لـ«البيان» ان الوضع العام «بات أكثر سوءا»، وان الكويت «لم تشهد احتقانا سياسيا كالذي تشهده حاليا طوال تاريخها»، لافتا الى ان السبب يعود بالدرجة الأولى الى «السياسات الحكومية السيئة التي جرت البلاد الى الهاوية»، متسائلا: «ماذا استفاد الكويت من سبع حكومات برئاسة الشيخ ناصر المحمد خلال خمسة اعوام؟»، على حد تعبيره.

ويوضح الدقباسي ان ما يصفه «الفشل، الذي منيت به الحكومات السبع، أكبر دليل على عدم صلاحية السلطة التنفيذية، إضافة الى فضائحها في شراء الذمم ورشوة النواب»، على حد قوله، مشددا على «ضرورة رحيل الحكومة وقدوم حكومة جديدة تحمل نهجا جديدا، ينتشل الكويت من حالة الانحدار المستمر، وإعادة الثقة الى جميع السلطات»، على حد وصفه.

ويقول الدقباسي ان نواب الامة، وخاصة «المعارضة»، أمام التحدي الأكبر في تاريخهم السياسي لإنقاذ الكويت من الانهيار. ويوضح ان استجواب «الإيداعات المليونية» سيضع النقاط على الحروف، معربا عن أمله في أن «يحكم أعضاء البرلمان ضمائرهم وان ينتصروا لمن أوصلهم الى كرسي البرلمان»، معتبرا أن «الحكومة تحاول حاليا خلط الأوراق، في لعبة باتت مكشوفة للجميع عبر وسائلها المختلفة من نواب وسياسيين واعلام».

ويضيف: «الكل يعرف ويعلم من أُتّهم بالمصروفات والإيداعات والشيكات والتحويلات، ومن تسبب في انتشار الإعلام الفاسد، ومن موّل الأسلحة لترشق الناس بالتهم وتقسم المجتمع وتعزز الطائفية»، داعيا الجميع الى «الصحوة من المحاولات الحكومية الرامية الى انقاذ نفسها، عبر إفساد المجتمع»، على حد قوله.

استجوابات حكومية

من جانبه، يؤكد النائب فلاح الصواغ لـ«البيان» أن كتلة المعارضة تنوي تقديم استجواب «الإيداعات المليونية» غدا الاثنين أو بعد غد على أبعد تقدير، بعد أن تم الانتهاء من صياغة المحاور، وأصبح جاهزا للتقديم. مشيرا الى أن كتلة «التنمية والإصلاح» ستقدم استجوابها لوزراء الداخلية والأوقاف والبلدية بعد استجواب الإيداعات المليونية، وبعد أن يقدم النائب صيفي مبارك الصيفي استجوابه إلى وزير الصحة. ويضيف ان هناك بيانا ستصدره كتلة المعارضة قريبا، لكشف النواب المرتشين، وتحمّلهم من خلاله مسؤولية عدم صعود رئيس الوزراء المنصة، وتقويض الدستور للهروب من الرد على استفسارات النواب فيما يخص محاور الاستجواب المقدم بحقه، مؤكدا أن هناك استجوابات من كتلة «التنمية والإصلاح» بانتظار وزراء الداخلية والأوقاف والبلدية.

فرصة كافية

بدوره، يؤكد النائب خالد الطاحوس ان «الحكومة لا تصلح لإدارة البلاد، وأصبح لزاما رحيلها فورا، خاصة انها أخذت فرصة كافية»، مشددا على «ضرورة أن ترحل الحكومة برئيسها الشيخ ناصر المحمد، الذي أخذ هو الآخر فرصا عديدة عبر تشكيله سبع حكومات متعاقبة، ولم يثبت قدرته على تسيير الأمر».

ويردف: «الكارثة ان تستمر مثل هذه الحكومة ليوم جديد آخر يدفع فاتورته الشعب الكويتي»، معتبرا أن المعارضة اختارت صوت الشعب وضميرها، ولابد من انقاذ الكويت التي تشهد استنزافا لمواردها في سبيل أن تبقى هذه الحكومة أكبر مدة ممكنة»، على حد زعمه. واستطرد: «نحن أعلنا موقفنا من التعامل مع هذه الحكومة وكذلك من البرلمان، فقضية الإيداعات المليونية حددت العلاقة بيننا وبين بعض النواب الموالين للحكومة أو المشبوهين وبيننا وبين هذه الحكومة».

ويؤكد الطاحوس ان «المعارضة ذاهبة باتجاه استخدام الحق الدستوري بمساءلة رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، ولن تتعامل مع هذه الحكومة ومع لجان المجلس المختطف من قبلها، وعلى الجميع أن يتحمل مسؤولياته».

تنسيق وتأييد

كما أوضح النائب فيصل المسلم أن التنسيق مستمر بين جميع الكتل بما فيها كتلة العمل الوطني التي أعلنت موقفا ضمنيا بتأييد استجواب الإيداعات المليونية، لافتا الى ان استمرار الحكومة ومجلس النواب المرتشين من عدمه بات في حكم المنتهي.

ويضيف ان «الفزعة الكبيرة التي تداعت لها جميع الأوساط انما جاءت بعد الفضائح التي تمارسها الحكومة بالتعاون مع من باع ضميره»، على حد زعمه.

ويوضح المسلم انه «رغم الايحاء بالتماسك الذي تحاول الحكومة اظهاره، إلا انه لم يعد خافيا على أحد حجم تداعي هذه الحكومة الذي كان آخره استقالة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد الصباح، بعد اكتشافه حجم الفساد، وعجز رئيس الحكومة عن محاسبة المتورطين التابعين لعناصر الفساد»، مشيرا الى ان «العد التنازلي لرحيل هذه الحكومة بدأ ولم تبقَ سوى خطوات قليلة»، ومنوها الى ان الأسبوع الجاري سيكون «أسبوع الحسم مع الحكومة».

فصول المواجهة

ووسط هذا الاحتقان، تجتمع كتلة المعارضة مساء اليوم الاحد لبلورة موقف محدد في شأن جلستي الاثنين والثلاثاء، إذ من المقرر أن يبدأ أول فصول المواجهة بين البرلمان والحكومة في جلسة غد الخاصة لمناقشة وإقرار قانوني كادر المعلمين ومكافأة الطلبة، لاسيما في ظل مخاوف من وجود ترتيب نيابي حكومي لإسقاط كادر المعلمين وعدم توفير الأغلبية المطلوبة لإقراره وإفشال الجلسة الخاصة.

فيما يتصدر جدول أعمال جلسة بعد غد استجواب النائبين أحمد السعدون وعبدالرحمن العنجري المقدم إلى رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، الذي من المحتمل ان يتم رفعه من جدول أعمال الجلسة استناداً إلى حكم المحكمة الدستورية، أو إحالته إلى اللجنة التشريعية.

في تلك الأثناء، استبعد النائب فلاح الصواغ ان يتم مناقشة استجواب النائبين أحمد السعدون وعبدالرحمن العنجري لرئيس الوزراء، قائلا: «أعتقد أن يتم اسقاط الاستجواب المؤجل منذ عام من جدول الإعمال، في ظل امتلاك الحكومة الاغلبية اللازمة لاسقاطه، حيث ستستند الى تفسير المحكمة الدستورية».

وكشف الصواغ عن اجتماع ستعقده كتلة المعارضة اليوم الأحد لإعلان موقف جميع أعضاء الكتلة من الحضور أو عدمه لجلسة التصويت على كادر المعلمين ومكافأة الطلبة، إضافة الى التباحث في شأن التكتيكات الحكومية لإسقاط استجواب السعدون والعنجري، متوقعا أن توافق الكتلة على حضور الجلسة الخاصة، لعدم رغبتها في تعطيل كادر المعلمين ومكافأة الطلبة، لاسيما ان غالبية أعضاء المعارضة هي من تبنت القضية منذ البداية.

رحيل محتوم

بدوره، يوضح النائب مسلم البراك أن «الفساد وصل الى نخاع السلطة التشريعية بهدف الاساءة الى الديمقراطية، ما أدى الى تحول بعض أعضاء مجلس الأمة الى أدوات».

ويضيف البراك: «لابد أن يدرك رئيس الحكومة ان الغلبة في النهاية للشعوب»، موضحا ان «الحكومة الحالية، ونتيجة للفساد الذي بلغ مداه، وحّدت الكتل البرلمانية من حيث لا تعلم لتكون كتلة واحدة تتحدث باسم المعارضة»، مشيرا الى ان هذه المعارضة تطالب بإيجاد نهج جديد وحكومة جديدة ومجلس أمة جديد.

ويقول: «في ظل الظروف التي نعيشها حاليا، فإنه لابد من أن يعود قرار اختيار المجلس مرة أخرى للشعب»، لافتا الى ان مطالبات الآلاف خلال تظاهرات حاشدة بحل الحكومة والبرلمان «لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة لحجم الفساد الذي كان السبب الأول والأخير في رعايته رئيس الحكومة الحالية.

بدوره، اعرب النائب صالح الملا عن تشاؤمه بإيجاد حل لعودة العلاقة الطبيعية بين الحكومة ومجلس الأمة في ظل الأوضاع الساخنة الحالية، ما لم يتدخل الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح بشكل مباشر بقرار يقضي بحلهما والدعوة الى انتخابات عامة وفق الدستور، لافتا الى ان العلاقة بين السلطتين وصلت الى طريق «اللاعودة عن المواجهة الحاسمة».

ويقول الملا ان «عدم الاستقرار سيكون سيد الموقف في حال لم يتدخل الأمير، ولم ينجح استجواب الإيداعات المليونية في إقصاء الحكومة، إذ ان المعارضة أعلنت عن خططها لمواجهة الحكومة في جولات اخرى، تتمثل في تقديم استجواب تلو الآخر لجميع الوزراء تقريبا بدءا من وزراء السيادة»، لافتا الى ان الصراع ينمو على حساب الكويت. ويضيف إن «الشارع يريد حكومة قوية تقود بلاده، وبرلمان يضم ممثلين عنه لا ممثلين عليه».

في خضم ذلك كله، مما لاشك فيه ان الساحة السياسية في الكويت أصبحت حبلى أكثر من أي وقت مضى، واقتربت من موعد الصدام، بسبب التوتر غير المسبوق في العلاقة النيابية الحكومية الذي كشف جميع أوراق اللعبة السياسية، إضافة الى تدني الخطاب السياسي ولغة الحوار، وأيضا الغليان المستمر في الشارع الذي يطالب برحيل المجلسين (الوزراء والأمة)، بعد الفساد الذي تكشفت أضلاعه وبات يهدد الديمقراطية الكويتية برمتها.