في خطاب خلال العشاء السنوي لـ«المؤسسة الديمقراطية الوطنية» في واشنطن مساء الاثنين، تناولت فيه الأوضاع الراهنة في المنطقة؛ قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون: «في اعتقادي، إن الشعب الفلسطيني كأي شعب غيره سواء مثلنا أو مثل جيرانه العرب والإسرائيليين، يستحق الكرامة والحرية، وله الحق في تقرير مستقبله في دولة مستقلة ديمقراطية خاصة به».

كلام واضح صريح، لا يحتمل التأويل. وأهميته، ولو أنه ليس بجديد، أنه صادر عن مسؤول أميركي بهذا الوزن. لكن مشكلته أن أهميته تنتهي عند حدود النطق به. بل أكثر من ذلك، إذ أن هذه الإدارة نفسها التي تنتمي إليها الوزيرة وتتحدث باسمها لم يسبقها أحد في الهرولة والتراجع عن وعودها بشأن إقامة هذه الدولة الموعودة. سجّلت الرقم القياسي في الإذعان للحكومة الإسرائيلية. باعت الفلسطينيين حكي وتركت الحبل على غاربه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو.

في فبراير الماضي، استخدمت الفيتو ضدّ قرار في مجلس الأمن، يعتبر المستوطنات غير شرعية. جميع أعضاء المجلس الـ 14 صوتوا للقرار. وحدها مانعت. موقف «لا يمكن فهمه لأننا منذ سنين نقول بأنها غير شرعية، لكن عند التصويت نقف ضدّ»، على حدّ ما قال وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر في ندوة شارك فيها مؤخراً في واشنطن.

تصويت محرج

سبق ذلك وأعقبه مسلسل الانكفاء بخصوص المستوطنات؛ إلى أن جاء «التصويت المحرج»، كما وصفه زبغنيو بريجنسكي في محاضرته قبل أيام في «مؤسسة أميركا للسلام» بواشنطن، عندما وقفت الإدارة ضد قرار عضوية فلسطين في منظمة اليونيسكو الدولية للتربية والعلوم. كان على الرئيس، كما قال، «أن لا يوافق فقط، بل أن يحمل إسرائيل على الموافقة على مثل هذا الانضمام». يذكر أن باراك أوباما عاتب نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي لأنه لم يبلغه مسبقاً بموقفه المؤيد لهذه العضوية. كما عرج بريجنسكي على خطاب أوباما في سبتمبر أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ورأى أن «خلو كلمته من أي إشارة لمعاناة الفلسطينيين كان أمراً مخجلاً».

سيناريو متكرر

ومن المتوقع أن يتكرر السيناريو هذا في مجلس الأمن، حيث أنهت اللجنة الفنية دراستها للطلب الفلسطيني بشأن العضوية كدولة في الأمم المتحدة، والتي من المقرر أن يجري البت بشأنها غداً الجمعة.

والراجح أن الضغوط التي مارستها واشنطن قد ضمنت عدم حصول الطلب على تسعة أصوات تستوجبها الأصول المرعية لعرضه على التصويت. وبالتالي بات من شبه المؤكد أن ينتهي إلى تصويت في الجمعية العمومية قبل نهاية العام، حيث الأكثرية متوفرة لكن المفعول رمزي. رخاوة البيت الأبيض تجاه إسرائيل، ربما غير مسبوقة. ولهذا انصبت عليها مؤخراً انتقادات كانت أحياناً لاذعة. ليس لأن أصحابها ضدّ الدولة العبرية، بل لأن تمادي الرئيس في التهاون مع نتانياهو والرضوخ لطروحاته وسياساته، حمل جهات ودوائر إعلامية نافذة على إبداء الكثير من التأفف وعلامات الضيق من «الخجل»، سواء على الشاشة الصغيرة أو «اليوتيوب» وغيرها من شبكات النشر الواسع للأخبار. وربما كان هذا وراء تجرؤ البعض، في وسائل إعلام من العيار الثقيل مثل واشنطن بوست، أو في صفوف السياسيين المتحررين من العقدة الإسرائيلية، على قلّتهم، مثل المرشح الرئاسي رون بول - من التيار التحرري- وضعت الإصبع على موضوع المساعدات الأميركية لإسرائيل مطالبة بضرورة إعادة النظر بخصوصها أو وقفها مرة واحدة. «فإسرائيل في حالة جيدة، ونحن تحت الديون، وبالتالي لا يجوز أن نقترض لنمنحها المساعدة، وهي ليست بحاجة إليها» كما قال.

عام انتخابي

لكن إدارة أوباما ليست في وارد التزحزح عن خطها. خاصة في عام انتخابي. مع أن المسألة في حقيقتها فقر دم قيادي وليس سياسية انتخابية. في خطاباته، عاد الرئيس إلى معزوفة «المفاوضات المباشرة كسبيل وحيد للسلام». والوزيرة كلينتون كرّرت هذه النغمة هي الأخرى في خطابها الأخير. واشنطن تعترف بحق الفلسطينيين بالدولة. لكن فقط على الورق، حتى الآن. وربما في كل آن.