بات ارتفاع وانخفاض درجة حرارة الملف النووي الإيراني، دورة مألوفة. تغيب لفترة ثم تطل من جديد بجولة أكثر حدّة. تتأرجح منذ أعوام بين ممنوعات: تفجيرها بحرب، وحصول طهران على سلاح نووي، تقول هي إنها لا تسعى إليه. المفاوضات كانت باستمرار مفتاح التنفيس، ولو من دون أن تؤدّي إلى مخرج. يبدو أنها وصلت الآن إلى مفصل متقدم. تضافرت معلومات وتسريبات وتكهنات لتضع هذه القضية على نار حامية في واشنطن، لكن لا تبدو أنها قابلة لإشعال حريق.
عاد الملف إلى الواجهة، إثر تداول أخبار تناقلتها صحف إسرائيلية وبريطانية عن لسان مسؤولين سابقين أو مصادر عليمة؛ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو نظر في احتمال توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية. وأخذ الكلام شحنة من الجدّية، كون بعض تفاصيله منسوبة إلى رئيس الموساد السابق مائير داغان. ومنها أنه صار لدى طهران من اليورانيوم المخصّب بدرجة متوسطة أو خفيفة، ما يكفي لصنع أربع قنابل، إذا واصلت تطوير هذا التخصيب. كما أنها نقلت معظم مجمعات الإنتاج إلى مخابئ عميقة تحت الأرض قرب مدينة قم وأجرت تجربة على نظام وأجهزة تفجير بتصاميم رؤوس حربية.
تمارين واستعدادات
زاد من سخونة هذا التداول الإعلامي أن ذلك ترافق مع عدة تطورات وعمليات لها طابع الاستعداد والتحضير لأمر قادم. كان منها تمارين الإنقاذ للمدنيين، التي أجرتها السلطات الإسرائيلية في وسط إسرائيل؛ ولو قيل عنها إنها روتينية. ثم ما ذكر عن تدريبات جوية أجراها سلاح الطيران في جزيرة سردينيا، بالاشتراك مع السلاح الجوي الإيطالي. وواكب ذلك تجربة على صاروخ إسرائيلي بعيد المدى، بحسب ما جاء في أحد التقارير. وهناك معلومة مرّت بسرعة قبل أكثر من أسبوعين، جاء فيها أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما سلّمت إسرائيل العام 2009 خمسين صاروخاً مصمّمة ومجهزة للاختراقات والتحصينات القوية لضرب أهداف موجودة في عمق الأرض.
تقرير جديد
ومن اللافت أن الأضواء تسلّطت على هذا الموضوع، عشية صدور تقرير جديد عن وكالة الطاقة النووية الدولية بخصوص إيران من المتوقع أن يصدر اليوم الأربعاء.
الإدارة الأميركية رفضت التعليق على التقرير قبل إعلانه، مع أنه جرى وضعها في جوّ محتواه،. وأوباما سارع إلى التشديد على سياسته التي تقوم على الاكتفاء بزيادة الضغوط، باعتبار أن ذلك أنجع لردع طهران عن مواصلة مشروعها النووي. فمن جهة، المصداقية الأميركية معطوبة بخطيئة العراق وتداعياتها ما زالت قائمة. ومن جهة ثانية، لم تحسم واشنطن بعد خياراتها. بحسب تقدير وكالة الاستخبارات قبل أشهر، لن يكون بمقدور طهران صنع قنبلة قبل فترة ثلاثة إلى خمسة أعوام.
وربما كان ما تردّد عن استعجال إسرائيلي للضربة، يراد منه ترجيح كفة الجدل في واشنطن أو قطع الطريق على معادلة كبيرة في المنطقة، يدفع بها فريق من صنّاع القرار والرأي في الولايات المتحدة وتكون إيران أحد كبار الرابحين فيها.
وفي كل الأحوال، لا يرى العارفون في شؤون السياسة الخارجية في واشنطن أية إمكانية لانفراد إسرائيل بعملية عسكرية ضدّ إيران .. «فهذا قرار استراتيجي لا بدّ من موافقة واشنطن عليه»، بحسب مراقب مخضرم. وهي موافقة لا تتوفر مكوناتها في الوقت الراهن.
