بعدما أحكم اليمين الإسرائيلي سيطرته على السلطتين التشريعية، غالبية مطلقة في الكنيست، والتنفيذية، الحكومة، يخطو الآن نحو الهيمنة على السلطة القضائية ورمزها الأول، المحكمة العليا، المتَهمة بأنها «يسارية» و«ليبرالية أكثر من اللزوم»، على خلفية تدخلها أحياناً في قوانين سنّها الكنيست، أو في قرارات تتخذها السلطة التنفيذية أو أحد أذرعها.
وصادقت اللجنة الوزارية لشؤون التشريع أول من أمس على مشروع قانون يتيح لوزير العدل تغيير تشكيلة «لجنة تعيين القضاة»، ما يعني ترجيح كفة الوزير في تعيين القضاة، على حساب رئيسة المحكمة العليا دوريت بينيش.
فرصة مواتية
ويرى أركان اليمين والمستوطنون أن الفرصة مواتية الآن، في ظل وجود وزير القضاء اليميني الذي يعتمر الطاقية الدينية يعقوف نئمان، لـ«لجم» المحكمة العليا من التدخل في القوانين التي يشرّعها الكنيست، خصوصاً تلك التي تريد النيل من الأقلية الفلسطينية التي تعاني تمييزاً عنصرياً رسمياً يريد اليمين توسيع رقعته، قانونياً.
واحتجت أحزاب المعارضة من الوسط واليسار على قرار اللجنة الوزارية أمس واعتبرته مساً صارخاً بالجهاز القضائي. ودعت زعيمة حركة «ميرتس» زهافه غالؤون أحزاب الائتلاف الحكومي إلى الكف عن «اغتيال استقلالية الجهاز القضائي».
وأضافت أنه «يجب التوقف عن تسييس الجهاز القضائي والتدخل السياسي في تعيين القضاة محذرةً من محاولات اليمين الإسرائيلي الذي يشكل غالبية في الكنيست «الدوس على الديموقراطية والقضاء على المحكمة العليا، وهي المؤسسة الوحيدة القادرة على لجم مثل هذه المحاولات».
خلافاً للتقليد
وبحسب تقرير وكالة الأنباء الفلسطينية «سما»، فإن اليمين الإسرائيلي ينتظر خروج رئيسة المحكمة العليا دوريت بينيش إلى التقاعد مع بلوغها السبعين، في فبراير المقبل، لتعيين القاضي المحسوب على اليمين والمحافظين آشر غرونيس خلفاً لها، رغم أنه وفقاً للتقليد المتبع كان ينبغي تعيين القاضية صاحبة الأقدمية مريم ناؤور التي ترغب الرئيسة الحالية في رؤيتها تحل محلها. ونجحت الغالبية اليمينية في الكنيست، في الصيف الماضي، من تمرير قانون، بالقراءة التمهيدية، تم تفصيله خصيصاً ليلائم القاضي غرونيس ليتبوأ منصب رئيس المحكمة.
ولا يكتفي أركان اليمين بتعيين غرونيس رئيساً للمحكمة، إنما يتحرك الآن لتعيين قاض جديد، هو نوعم سولبرغ، ضمن هيئة قضاة المحكمة، وهو معروف بمواقفه اليمينية المتشددة، كما أنه مستوطن في مستوطنة «ألون شفوت» في محيط القدس المحتلة. وتلاقي هذه الجهود معارضة شديدة من رئيسة المحكمة الحالية، لكن الوزير نئمان وأوساطه مقتنعون بأنه في وسعهم تعيينه رغماً عن أنفها، أو الانتظار في أسوأ الأحوال لخروجها للتقاعد ثم تعيينه، وهم على يقين بأن رئيس المحكمة الجديد، غرونيس، «سيرد لهم الجميل» ويدعم هذا الترشيح.
جدل وتحذير
وكان سولبرغ، القاضي في المحكمة المركزية في القدس، أصدر في الاعوام الماضية عدداً من قرارات الحكم التي أثارت جدلاً واسعاً بشأن مصداقيتها، منها تبرئة شرطي إسرائيلي من تهمة القتل على رغم أنه قتل فلسطينياً بدم بارد، ثم تبرئة ثلاثة من ناشطي حركة «كهانا» العنصرية المحظورة من تهمة الاعتداء على أحد مرافقي النائب في الكنيست أحمد طيبي وإصابته بجروح في قاعة المحكمة. كما أصدر قرارات أخرى عكست رغبته في تقييد حرية التعبير في وسائل الإعلام الإسرائيلية.
وكانت رئيسة المحكمة الحالية حذرت في مؤتمر للحقوقيين عقد أخيراً من المس باستقلالية المحكمة العليا والجهاز القضائي عموماً، وهي استقلالية منحت القضاء الإسرائيلي سمعةً طيبة داخل إسرائيل وخارجها. وأعربت عن قلقها من اختلال التوازن بين السلطات الثلاث وتراجع احترام السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية.
وحذر رئيس المحكمة السابق أهارون باراك من المس بالمحكمة العليا، وقال إن أية أذية تلحق بالمحكمة «ستُفقد الجهاز القضائي روحه، وستحرم المجتمع الإسرائيلي من المُدافع عن حريته ومن المساواة بين الأفراد ومجموعات الأقليات».